BrainHeart_shutterstock_546051148_1500
مقالات

أزمة المعنى… والحب المتخيل!

شمس الدين حميود 26 نوفمبر، 2025

‏المُثُل تتهاوى،

والإيمان يذبل، والأمل يضمحل!

ووراء ذلك بـ قليل يقبع جانب من أكثر جوانب المعضلة الحديثة إثارة للاهتمام:

انهيار المعنى..

بهذه الكلمات لخص تود سلون أزمة النفس الحديثة، أزمة في المعنى كان جوهرها اكتشافُ الإنسان الغربيِّ أن حياته دالٌ بلا مَدلول وحركةٌ بلا معنى، وأيضا محاولة لإيجاد الذات في هذا العالَم.

ما يبدو على أنه أهم أزمة وجودية يعاني منها الإنسان المعاصر، مع نظرة ترى الهدف والغاية من الوجود كشيء في الخارج لم يحن أوان تحصيله بعد.

بلغ التشييء الإنسان ومبادئه..فُقد المعنى واستوطنت المادة، والأصل أنّ هذا المَعنى يتخلّق تخلّقًا -على الأقل فلسفيا- من الالتزام، حين تُلزِم نفسك تجاه شيء ما في حياتك، وتقف على ناصيته مقاتلا مواجها لما خلّفه فيك من ندوب، تتلمس أخاديد الصعاب وتصرّ عليه بقهر كلّ ما يعيق.

لكن كل هذا قد يوصم بالغرق في الإطلاق أمام ثقافة تنتقد قيمة الالتزام commitment وتتخّفف من وضوح الغاية وبذل الجهد في سبيلها.

هذه الأزمة الوجودية مع ما يتخللها من تساؤل وبحث فردي، برز ضمن سياق واسع اتسم بصعود وتجذر الحداثة في المجتمعات، “فكون معظم الناس في الغرب –تحديدا – لا يزالون يتلمسون الأجوبة عن مسألة ما الذي يجعل الحياة الإنسانية جديرة بالعيش، أو ما يضفي المعنى على حياة الفرد، هذه الحالة حديثة جوهريا” (1) خاصة مع تزايد جرعات العلمنة والفردنة.

“والحقيقة أن كل جماعة بشرية تولّد -بحسب ديناميتها الخاصة- مقدسا جديدًا يحوي ويدعم أفعالها، حيث يكون ذلك المقدس عالم الإنسان المرفوع فوق الفعل اليومي، ودون ذلك فإن المجتمعات البشرية تعرف نوعا من اليأس الوجودي، والذي ينجرّ عنه تبعاً لذلك أفولها”(2).

[ميشال ماسلان -علم الأديان-]

في فترة مضت كان المقدس هو الاهتمام بالآخر والتضحية من أجله وتفضيل سعادة الأكثرية – في تمثل للأخلاقيات الكانطية، وتجسد هذا في ثلاثة أشكال من التضحية كان أولها حاملا لشعار الموت من أجل الرب وثانيها الموت من أجل الوطن، أما ثالثها فكان الموت من أجل الثورة …ولأن ما سبق جر سيلا من الدماء فقد كانت الحاجة ماسة إلى مقدس آخر على عكس يوتوبيات القرن العشرين، يمثل يوتوبيا إنسانية محضة، غير قاتلة ويستحق التضحية من أجلها، بعد شبه تفكير لم يجد الإنسان أفضل من جعل الإنسان نفسه هو المقدس، “هذه الإجابة تتبناها الغالبية العظمى، فهو من يفرحنا، ويحمسنا بإبداعاته، وبموهبته، وبعبقريته”.(3)

إذا فالمقدس إنسان وهو يضحي للآخر من أجل الحب وقيمة الحياة الإنسانية تقوم على الحب في سبك لمبدأ ميتافيزيقي جديد.

ولأن تجليات هذه الأزمة ومظاهرها مست البنية العاطفية وأنظمة العلاقات والفنون المعاصرة، إضافة إلى الهوية ومفهوم الذات والموقف من الوجود عامة فالتفصيل فيها مما لا يسع المقام له، سوى ببضع تأملات في قدسية الحب المعاصر.

ذلك أن دراسة الحبّ مركزية غير هامشية بالنسبة لسبر جوهر الحداثة وأساسها..

والاشتغال على مفهوم الحب بوصفه نسقا تأويليًا متفردا قصد استحضار تجربة معنى مغايرة لكل ادعاءات الحقيقة التقليدية. يتجاوز الارتباط الروحي إلى علاقة روحانية متعالية ومقدسة.

إنها القيمة الوجودية للعواطف والمشاعر الشخصية في إطار نرجسي مقدس. ‏”فالإنسان الحديث لا يحبّ، بل ينشد ملاذًا في الحبّ؛ هو لا يأمل، بل يطلب ملجأً في الأمل؛

ولا يؤمن، بل يبحث عن مأوى في عقيدة” (4)

هذا اللامعنى الذي انسحب إلى العلاقات العاطفية تبوء بإثمه الحداثة أيضا، إذ أعلت من شأن الحب الإنسانوي الدنيوي وخلخلت الهندسة الاجتماعية وروئ الأطراف لمعنى الوجود والمطلوب حتى باتت العاطفة سيدة على علاقة الطرفين، ونقلت العلاقات من التراحمية إلى التعاقدية فخَرّبت ما كان ميثاقا غليظا بتجريده من المعنى.

باسكال بروكنر في كتابه (هل فشل زواج الحب؟) أرجع سبب الفشل المتكرر للزيجات الحديثة إلى كون المجتمع الحداثي قد رفع الحب إلى رتبة العقيدة، فأضحى الفرد يتوقع ويستثمر كل شيء في هذه العلاقة، لكون الحب أضحى “صورة علمانية للخلاص”، ونتيجة ذلك أن التوقعات التي تراود الشركاء تجاه بعضهم البعض كبيرة جدا؛ الأمر الذي يؤدي إلى الانفصال عند أدنى خيبة أمل. “فكل زوجة مطالبة أن تكون عشيقة متلهفة، وصديقة روحية، و أما باذلة، وأن تظل –مع مرور الزمن وتراكم الأعباء- فاتنة وجذابة جسديا ، وناجحة اجتماعيا ، ووظيفيا” (5). والأمر مثله ينطبق على العدسة التي تضعها الزوجة لترى بها الرجل وما ينبغي أن يصير إليه دون تغير أو قصور.

فالعلاقات بين الجنسين أصبحت بلا قواعد اجتماعية حاكمة لعملية الاتصال، وصارت خاضعة للذوق الفردي المباشر، ما يورث حالة من الغموض والحيرة ممزوجة بعدم الفهم والتفاهم خاصة زمن البدايات. و‏‏الهوس الثقافي الحديث بـ”حب الذات” ليس سوى تعبير عن الصعوبة التي تعيشها الذات؛ لإيجاد مراس للأمن الوجودي والاعتراف.

“إيفا إيلوز” في كتابها “لماذا يجرح الحب؟”، فصلت في ذلك وكذلك باومان في الحب السائل، وجيل ليبوفتسكي في “المرأة الثالثة”.

ولعل أكثر منابع التعاسات الرومانسية المعاصرة تطل علينا من نافذة التحولات التي غيّرت بيئة اختيار الشريك المناسب، فأدت وفرة خيارات اختيار شريك الحياة إلى التحول من حالة “القناعة” إلى حالة “الاصطفاء” أو البحث عن الأمثل، “فالقنوعين هم من يسعدهم الخيار الأول المتاح، أما المصطفين ‏فإنهم يبحثون عن أفضل خيار ممكن”، هذه الوفرة التي يعززها الواقع والمواقع ترفع من سقف توقعات الإنسان، فمع إيجاده لشريكهِ المناسب؛ يظل شبح الندم واحتمالية وجود خيارٍ أكمل يطارده، ممّا يدمر حياته الزوجية، ويُوقعه في سراب التطلع للمفقود.

تأمل معي كيف “لم يعد المتحابون يقسمون على وفاء أبدي، لأنهم استبطنوا – نوعا ما وإن كانوا يرفضون ذلك – القانون الواقعي القاسي للهشاشة وعدم الثبات في الرغبة الغرامية. المطلوب البقاء وفيا مادام الحب قائما، ثم تفتح لعبة الحياة من جديد… يعبر انتصار الوفاء عن الرغبة في التخلص من آثار المسار الانعزالي لعصرنا الراهن. كلما زادت إمكانيات الاختيار، زاد التفكك الاجتماعي، وكلما زادت الاستقلالية الذاتية صار التواصل بين الناس أكثر تعقيدا وصعوبة وكثير المتطلبات. يتضح في الاعتراف الجمعي بالوفاء الرعب من انعدام المعنى في المغامرات السريعة التي لن تدوم، ومن الفراغ الملازم لتكرار الغراميات قصيرة الأجل”(6).

في الأخير فإن كل محاولات بناء المعنى في حياة الإنسان المعاصر بمعزل عن بناء سردية مكتملة ومعقولة تتسم بالاتساق والامتداد الزمني مآله الفشل …فلكي “يكون عندنا معنى بما نحن عليه، علينا أن نعرف كيف صرنا، وما المكان الذي نحن ذاهبون إليه”(7). وهكذا يمكن بناء المعنى شخصيًا وتاريخيًا عبر “الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ ليبدو وكأنه قصة متماسكة”.(8 )

فصرخة نيتشه “مات الإله” هي صرخة انهيار لا صرخة انتصار كما يظن البعض، صرخة من يلامس العدم ويغيب عنه المعنى وهو الذي كان يقول “من يمتلك سببا ليعيش من أجله فإنه يستطيع غالباً أن يتحمل بأية طريقة”.

فالله تعالى كما يقول الدكتور أحمد وجيه هو الذي يضفي المعنى على العالم، هو الذي يرسّخ القيم ويثبّت المعارف، هو الذي يفتقر إليه كل ذلك ليكون، هو الذي يُرجع الأمر كله، شهادة وغيبًا، حسًّا ومعنًى، بغير الله ينهار كل شيء…

وقد ذكر شيخ الإسلام أن الله سبحانه لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي تصير إليه الحادثات، فهو الأصل الجامع .. فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه، وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته..

فلا إله إلا الله، نشهد بذلك خاضعين.

————————————-

1- تشارلز تايلور، منابع الذات-تكوّن الهوية الحديثة.

2- ميشال ماسلان، عالم الأديان.

3- لوك فيري، مفارقات السعادة.

4- Nicolás Gómez Davila, An Anthology Compiled by Andis

Kaulins.

5- عبدالله الوهيبي، معنى الحياة في العالم المعاصر.

6-جيل ليبوفتسكي، أفول الواجب-الأخلاق غير المؤلمة للأزمنة الديموقراطية الجديدة.

7-تشارلز تايلور، منابع الذات.

8-روي باوميستر، أيهما أفضل حياة سعيدة أم حياة ذات معنى؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *