المتأمل في فلسفة التاريخ، يجد أن الإيقاع المتناوب للثبات والديناميكية، للحركة والسكون، مظهر أساسي ملازم لطبيعة الكون، وفي هذا نشطت أقلام جهابذة البشرية في محاول تفسير وتحليل هذا البعد التكويني للوجود البشري، وضمن إطار المقاربة الحضارية نجد أرنولد توينبي، والذي ومن خلال نظريته النسقية، والمستندة إلى التأويل الفلسفي للواقع التاريخي، والمتضمنة في فكرة التحدي والاستجابة، استنتج أن الوثبة الحضارية إنما تنتج عن التحديات التي يواجهها الإنسان في واقعه، لتستفزه بعدها وتدفعه إلى الفعل، أي إلى أن يستجيب لها، ويحولها إلى “فرصة” يمكنه الاستفادة منها، بشرط توافقها مع قدرات الفعل التي يمتلكها في راهنه الزمكاني، وإن كان توينبي يركز في نظريته على القلة المبدعة، القادرة على تحريك الجمهور بما تملكه من شرعية رمزية، نتجت عن نجاحها القيادي، فإن الكثير من النقاد يرون أن “الوثبة الحضارية” لا يمكنها التحقق إلا إذا تحولت أسبابها لتتجسد في مجموعة من الأفكار والنظم والمؤسسات، أي إلى حالة عامة، أومزاج كلي، يحكم حركة مجمل الأمة، ويحدد مسارها، وينظم توجهها، ويمنعها من الانحراف والزيغ.
وإن كان التحدي هو مبعث الفعل الحضاري، فإن تمظهراته تتغير على حسب الحالة السياقية التي يعيش فيها الفرد، وعلى حسب الممكن المعرفي لعصره، ثم على موقعه من موازين القوة في عالمه، فإن المعرفة واكتسابها، ورصيد كل أمة منها، هي نقطة التحدي الأساسية التي تميز لحظتنا الحضارية، ونقصد بالمعرفة هنا، المعرفة المجلّية للواقع، والساعية لتشخيص مشاكله، وتقديم الحلول لها.
وفي سبيل تحقيق التمكين والريادة، وفرض النموذج الحضاري الخاص، وتحييد احتمالات الفناء الوجودي، استثمرت الدول الغربية في مجال المعرفة الأداتية، ونتج عن هذا مانسميه بــ ” مراكز الفكر” ؛ حيث تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية حاليا متربعة على عرشه بامتلاكها ما يزيد عن 1800 مركز من مراكز الفكر، وتحل الصين في الرتبة الثانية بامتلاكها ما يقارب 500 مركز فكر، ولنا أن نتأمل الفرق الشاسع بينها وبين سابقتها، ثم تأتي باقي الدول الأوربية تباعاً، وجدير بالذكر أيضاً أن أغلب الدول العربية لا تملك أي مركز للفكر؛ إن هذا المعطى كفيل بإعطائنا لمحة عن أسباب تفاوت دول العالم في هيمنتها ونفوذها وقدرتها الاستشرافية. ولكن في الوقت ذاته ينبغي ألا يغيب عن ذهننا أن تكديس المنتجات لا يصنع دولة ولا يشيد حضارة، وأن النُخب العضوية المشتبكة مع واقعها والمنحازة إلى أمتها لا تُصنع دائما وبالضرورة الحتمية بقرار سياسي فوقي، وإنما تكون نتاجاً لحراك مجتمعي وتراكم ثقافي يحقق الشروط الفردية والجماعية لانتخاب النخب.
ومما يحقق هذا التراكم المعرفي والحوار الثقافي على الأقل في الوسط الشبابي والجامعي؛ حلقات القراءة والتي –على ندرتها وقلة مرتاديها- تعتبر فضاءً نقاشياً ومعرفيا حراً تغيب فيه التراتبية يهدف إلى تنويع المطالعات وتكوين فكر نقدي يمكن من تجاوز الحس المشترك العام، من أجل فهم أدق للواقع. وعلاوة على هذا فإنها في حال استمرارها وثباتها كتقليد دوري، وتجاوزها لظواهر الفرجة الثقافية والدعاية الأيديولوجية والتضخم التنظيمي، تعتبر بالنسبة لمرتاديها المداومين عليها؛ مخبراً للملاحظة السوسيولوجية الدقيقة باعتبارها تمكنهم من معرفة اهتمامات الشباب عبر مختلف المراحل العمرية والدراسية وأنواع المطالعة الرائجة بينهم، إضافة إلى نوعية تلقيهم لمختلف الأفكار والتوجهات، كما أنها تتيح للملاحظ الحصيف استشفاف ملامح التغير الفكري الذي عادة ما يحدث بوتيرة بطيئة وهادئة، وكذا تتبع مختلف المدخلات المعرفية والنفسية التي ساهمت في ذلك. ومن بين الظواهر الملاحظة بهذا الصدد شيوع القراءة الترفيهية والوعظية المنفصلة عن الواقع، واستبطان مفاهيم مغلوطة عن الثقافة باعتبارها تجميعاً للمعلومات، في مقابل عزوف شبه تام عن الشأن الفكري.
تتحدد إهتمامات الشباب بالأساس عبر التنشئة الاجتماعية بمختلف وسائطها بدءاً من الأسرة باعتبارها المسؤول الأول على صنع هوية الفرد وتحديد انتماءه، وعلى غرس القيم والأخلاق التي تصوغ معنى الحياة الذي سيشكل فيما بعد اهتمامات الفرد وأهدافه، ثم المدرسة التي هي حجر الأساس في المجتمع وعليها تعوّل الدولة الحديثة في تكوين المواطن الصالح الذي يُنتظر منه أن يؤدي واجباته قبل المطالبة بحقوقه ، وصولاً إلى وسائل الإعلام باعتبارها صانعة الرأي العام، ودليل الضمير الجمعي إلى القضايا المصيرية. وإلى مختلف الوسائــط الأخرى كالمساجد والجمعيات والمنتجات الثقافية كالأدب والمسرح والسينما وغيرها.
ولكن هذه الوسائط ترتبط في علاقة جدلية مع الواقع المجتمعي في علاقة تأثير وتأثر؛ فالأسرة تعيش إكراهات الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وتتأثر بسلطة الثقافة الغالبة التي تفرضها العولمة، والمدرسة الجزائرية تعتبر نتاجاً لتراكم تاريخي طويل تمتد جذوره إلى الليل الاستعماري الطويل الذي رام مسخ هوية الشعب وتكريس تبعيته، وقد كانت بعد ذلك مسرحاً للصراع بين النخب بعد الاستقلال وإلى اليوم جعلها تفقد معالمها، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الوسائط في علاقتها مع الواقع بدرجات متفاوتة.
ويأتي عزوف الشباب الجزائري عن الشأن الفكري كنتيجة لهذه العلاقة الجدلية بين وسائط التنشئة الاجتماعية والواقع المحلي والدولي بمختلف تعقيداته، وللتجهيل المتعمد الرامي إلى تأبيد التبعية على مختلف الأصعدة، وإلى خلق تصورات سلبية تكرس للاغتراب والعدمية والتفاهة وبالتالي للاعتزال الطوعي للمسؤولية. وهذا في ظل غياب وعي بضرورة المرابطة على الثغور الفكرية، وانتشار أحكام مسبقة تعتبر التحليل النظري لمختلف الظواهر ترفاً فكرياً وتهوِّن من جدوى الإصلاح الثقافي.
إن ظاهرة عزوف الشباب الجزائري عن الشأن الفكري تعتبر مؤشرا هامّا لاستشراف مستقبل النخبة في الجزائر، وهي تنبئ بخطر استمرار التفاوت المذكور أعلاه بخصوص مراكز الفكر باعتبار العامل البشري عنصراً مهما وحاسما في ذلك، دون إغفال تأثير استراتيجيات الدول والأنظمة السياسية في بعث هذه المراكز وتفاوتها في الإمكانيات والمؤسسات المؤهلة لذلك.
