الشأن الفكري في المجتمعات الحديثة

افتتح الجلسة الثالثة تحت عنوان “الشأن الفكري في المجتمعات الحديثة” طالب الدكتوراه – تخصص مقارنة الأديان – “نبيل دردار” من خلال مناقشته لإشكالية “الإنسان الهامشي كمنتج للرأسمالية المعاصرة”.
ولفهم مسببات هاته الظاهرة “الإنسان الهامشي” أشار بدايةً لضرورة فهم طبيعة هذا العالم المعاصر الذي يمتاز بالتعقيد وأين نحن فيه (وضعيتنا داخله)، بالإضافة إلى مطلب الوعي بالمرحلة الحالية وهذا ما سيسمح لنا بتحديد مسار وطبيعة التحرك.
▫️يزعم صاحب المداخلة أنَّ أحد أهم المحطّات التّاريخية المُشَكِّلة للعالم المعاصر هي مرحلة الحرب العالمية الثانية وما قبلها، والتي لم تكن في حقيقتها حسب وصفه إلا صراع هيمنة بين نماذج اقتصادية وسياسية تحولت بعد ذلك إلى نموذج “صراع وجودي” خاصة بعد نجاح النموذج الاقتصادي للرايخ الثالث في تحقيق النمو الاقتصادي السريع وتقليص نسبة البطالة، والذي رأت فيه بعض دول أوروبا الغربية النموذج البديل لحل مشاكلها الاقتصادية. ومن من جهة أخرى، فقد شكّل هذا النموذج تهديداً وُجودياً لمصالح النموذج الرأسمالي الأمريكي وبالتالي أحد أسباب قيام الحرب العالمية 2.
▫️وبعد فوز الحلف الغربي وانتهاء الحرب، رأت الو.م.أ ضرورة طرح نموذجها الرأسمالي الاقتصادي والسياسي الليبرالي متمثلاً في مشروع مارشال لإعادة بناء اقتصاديات دول أوروبا الغربية ومنع انتشار المد الشيوعي، والذي لم يقتصر على الجانب الاقتصادي بل تعداه ليشمل الجانب الاجتماعي والثقافي من خلال خلق نسق مجتمعي معين يتماشى مع النمط الاستهلاكي للرأسمالية الجديدة، وقد اعتبر الكثير من الباحثين هذا المشروع مقدمة للعولمة والتي يصفها فريدمان بتعبيره “أمركة العالم”، كما شبهه المتحدث ب”حصان طروادة” الذي تمّ من خلاله أول تسليم اقتصادي ثم ثقافي وجمالي وفلسفي لأوروبا ومن ثمّ العالم إلى الو.م.أ.
▫️بعد هاته النبذة التاريخية، أبْرزَ المُداخل أهم سمات الرأسمالية المعاصرة حيث أنّها لم تصبح مجرد نظام تشغيل بل أعادت هيكلة المجتمعات من خلال إفقاد القيمة الإنسانية مكانتها “تسليع الإنسان”، تغييب المعنى وإعادة هيكلة للطبقات الاجتماعية “المؤثرين والقادة في المجتمع”، السعي إلى منع خلق بدائل للنموذج، وبالتالي أصبحت الرأسمالية المعاصرة واضعة لمعايير وجودية.
▫️بعدها قام بشرح كيفية تأثير هذا النموذج الجديد في الطبيعة البشرية (نفسيا/اجتماعيا) استنادًا إلى تحليل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ميشيل كلوسكار الذي يتمحور حول نجاح الرأسمالية في تحويل الرغبة في حد ذاتها إلى سلعة وتعزيز ثقافة المتعة والفردانية وخلق شهية للاستهلاك لا تشبع وبالتالي حالة دائمة من عدم الرضا هذا من جهة، ومن جهة أخرى يشرح عوامل تآكل المعايير الثقافية وانتشار الرداءة فتصبح الثقافة نفسها منتجا للاستهلاك، وذلك بإعطاء الأولوية لما يريده الجمهور على حساب ما يحتاجونه، والتركيز على الربحية مما يجعل المنتجات الثقافية ذات تركيبة سطحية سهلة الهضم، وبالتالي إحلال قيمة الترفيه محل قيم الأصالة وإحلال مجتمع استهلاكي فاقد لمعنى الجدية والإنتاج محل المجتمع التقليدي ومنه تكريس الهيمنة الرأسمالية.
▫️ومن ثمّ، استطرد في شرح استراتيجية العولمة والدينامكيات (النفسية/الاجتماعية) المعقدة للرأسمالية الجديدة االتي تقوم على التنشئة الدنيوية عن طريق ثلاثة مراحل:
🔹مرحلة اللهو والمتعة Ludic : موجهة للإنسان في فترة طفولته الأولى، يشرح فيها عملية التنشئة الاستهلاكية منذ الصغر، وتغير مفهوم اللعب ومساهمته في بداية فصل الطفل عن واقعه وتحضيره للمنظومة الاستهلاكية الكبرى من خلال ارتباطه بها وحاجته لتكرار التجربة المتولدة عن الاستخدام وشعور الرضى اللامحدود، فاللعبة الإلكترونية على سبيل المثال قائمة في جوهرها على المجانية وسهولة الاستهلاك “دون معرفة نظام العمل ودون بذل الجهد” على عكس الواقع الذي يتطلب جهدا وعلما وجدية، بالإضافة إلى التلفاز وبدائله المرئية المعاصرة التي تعد عاملا أساسيا للتنشئة فهي تساهم في حجب الطفل عن واقعه وتعيقه عن تشكيل رؤية سليمة للواقع ولما يحيط به.
يتم خلال هاته المرحلة ” المتعة” برمجة الطفل للمرحلة الثانية “الشهوانية”.
🔹مرحلة الشهوانية libidinal : هي تمديد لمرحلة الطفولة والجهل، يكتشف فيها الفرد نزوات ورغبات (طبيعية) جديدة يتم استثمارها لدمجه في المنظومة الاِستهلاكية، حيث يسعى لإشباع هاته الرغبات عن طريق المتعة، إلا أنه لا يصلها مما يدخله في دوامة استهلاك دون غاية إنتاج، وهذا بمساهمة وسائط الإعلام (السمعية البصرية) التي تعمل على خلق النماذج والقدوات وبالتالي تحديد معايير النجاح على المستوى الفردي والاجتماعي، وسبل وآليات تحقيقه، ومنه صناعة المعنى.
🔹مرحلة الإنسان الهامشي: في آخر المطاف ونتيجة هاته التنشئة يكون الفرد هامشيا غير واع بواقعه، فردانيا لا يهتم بالشأن العام، مُنسَاقا خلف هذا النموذج الأمريكي الرأسمالي الاستهلاكي الذي تكون المعادلة فيه كالتالي: أنت مجرد نزوات تعيش وتفنى لأجلها، ولا يمكن أن تحققها إلا عن طريق المال الذي يوفر لك الاستهلاك (هذه المعادلة يتم بناؤها واقعيا في البيت، المدرسة، الشارع، التلفاز، الهاتف كوسيلة سمعية بصرية … الخ) فهذا الإنسان سينشأ منذ طفولته ضمن بيئة شرسة تسعى لافتراسه، تذكره بفقره الدائم وبحاجته إلى تحقيق نزواته التي يعيش لأجلها (وبالتالي فقدان المعنى الحقيقي).
▫️︎في ختام هاته المداخلة وكحوصلة لما طُرح من أفكار خلالها، ذكر المتحدث أنه يستحيل مجابهة هاته المنظومة بتقديم نموذج واقع بديل، وإنما يرى أنه لا بد من مقاومة هذا الواقع من خلال: رؤية واضحة تكشف عن آليات عمل هاته المنظومة الاستهلاكية الرأسمالية، وتوفير خيارات أسمى حقيقية، وزرع القيم والمبادئ التي تجعل الفرد يعي ويشعر بإنسانيته (حقيقته الوجودية).
🔸️فرهان اليوم مرتبط بتوفير هاته الرؤية ولا يتم ذلك إلا من خلال الاهتمام بالشأن الفكري.