1572268272600
دراسات

النموذج الإصلاحي الحياتي: بين ضرورة الوجود وموانع التحقق

يرتبط موضوع الإصلاح في جانب أساسي منه بموضوع الفرد، ومن ثم التنشئة التي يولد ويعيش في إطارها، ثم المحيط الخارجي المحلي والدولي الذي يؤثر فيه بنسب متباينة، وفي إطار كل هذه العلائق وجب دراسة كيفية تشكل الهوية الذاتية، من الناحية الوصفية، ثم من الناحية التقويمية التعديلية، من خلال التفكير في سبل تكوين رواية قبلية تحدد للفرد المصلح مسارات حياته، وهو ما نحاول فعله، عبر صك مفهوم “النموذج الإصلاحي الحياتي”.

على أن هدف الدراسة لايتجاوز في اللحظة الحالية مجرد تحديد المفهوم وأبعاده التكوينية، ثم دراسة البنيات المعاصرة، التي تكبح عملية البناء القبلي لمسار الحياة.

وعليه، وانطلاقا مما سبق؛ حق لنا التساؤل : ماذا نقصد بالنموذج الإصلاحي الحياتي، وماهي أبعاده المفاهيمية، ثم كيف تحاول البنيات النفسية  والاجتماعية  والعولمية كبحه، ووأد عملية تكوين الذاتيات المتجاوزة لمجرد طلب الحياة القانعة؟

 

في المفهوم

نقصد بمفهوم “النموذج الغائي الحياتي” مجموعة التصورات  المحددة لرؤية الإنسان للعالم، والتي تترجم في شكل ” مسار للحياة”، بهذا المعنى فهوخطة متصورة، تخيلية (لاخيالية)  لنمط الحياة بما يشمله ذلك من  مجموعة متكاملة إلى حد ما من الممارسات التي يتبناها الفرد، ليس فقط لأن مثل هذه الممارسات تلبي الاحتياجات النفعية، ولكن لأنها تعطي شكلاً ماديًا (واقعي) متساميًا  لسرد معين للهوية الذاتية،  وبالتالي يضفي النموذج نوعًا من  التماسك التي يمكن العثور عليه في سلوك الناس.

وهذا التماسك ينتج من جهة أخرى عن نوع من البنية العقلية العامة، وهذا قريب من مفهوم “قطاع نمط الحياة” الذي تحدث عنه غيدينز، والذي يعرفه بكونه “شريحة من الفضاء الزمني للأنشطة العامة للفرد، والتي يتم فيها تبني وتنفيذ مجموعة متسقة ومنظمة بشكل معقول من الممارسات” [1]، فإذا أراد الشخص الحفاظ على مستوى معين من المصداقية، سواء بالنسبة له أو للآخرين، فسيصبح من الضروري وجود تماسك معين في نمط الحياة ومستوى معين من تكامل الإجراءات في جميع الممارسات المختلفة.

 

كما يحمل”النموذج الغائي الإصلاحي” أبعادًا مفهومية عدة، أساسها:

  • تحقيق التكاملية: نقصد هنا أن النموذج يسعى إلى التطابق مع تصور مسبق يحدده الشخص، بناء على سلم أولوياته، فقد يكون التطابق هنا مع مرجعية فلسفية معينة، يسعى الفرد إلى تشكيل مسار حياته بناءً على ضوابطها وقواعدها ووعودها وعبر مساحات المعنى التي توفرها.
  • الغائية والتجاوزية: فوفق هذا النموذج لا يسعى الفرد إلى تحقيق غاياته البيولوجية الخاصة فقط، ولا يجعل من إشباع اللذات سقفا لطموحه، بل يسعى إلى انتاج مجموعة من الغايات المتجاوزة للذات، والمتجاوزة في الوقت عينه لحدود “الإنسانية القانعة” أي متطلبات الإنسان-الحيوان.
  • الإصلاحية: يسعى النموذج، وفي إطار العلاقة مع البعدين السابقين، ونتيجة لهما، إلى بناء شخصية إصلاحية، لا تحصر نفسها في حيز الذات، بل تسعى إلى تجاوز وتفكيك مقولات الفردنة، سعيًا نحوتمديد الفعل الإصلاحي وتوسيع دائرته، على حسب مجال اشتغال الفرد، وعلى حسب قدرته.
  • الرغبوية: أي أنه لا يصف نموذجًا موجودا في الواقع (وقد يوجد) ولكنه يسعى إلى بناء نموذج تربوي أخلاقي، يُسعى إلى تحقيقه، ويُسعى إلى تشكيل الذوات على صورته.
  • الالتزام: بمفهومه الفلسفي، وبما يقتضيه من الغيرية، والإرتباط بالآخر، والإنتماء لمجتمع ما، بالمفهوم المزدوج للإنتماء: انتماء الثقافة المشتركة، وانتماء الهم المشترك، فالمصلح هنا هو نقيض : اللامنتمي.
  • التفكير النقدي ومنطق الفعل: يعتبر التفكير النقدي شرطًا ضروريا لا غنى عنه لكل مصلح، إذ بدونه يتحول إلى مجرد شعبوي ديماغوجي يخدع الجماهير بخطابات عاطفية رنانة، وإن كان التفكير النقدي يحتاج إلى تكوين معرفي سابق، فإنه يحتاج بعد ذلك إلى اكتساب النقد كملكة تحصل بالتدريب والتعليم الفعال، على أن الكم المعرفي والعقل النقدي ليسا الغاية، فالغاية من المعرفة والتفكير في النهاية هي العمل، أي الفعل التغييري ذاته.

يسعى النموذج إلى دمج التصورات المعرفية والمستخلصة من المرجعيات الثقافية والمعرفية مع الممارسات الاجتماعية لتشكيل “القصة” التي تستبطنها الذات عن نفسها.

 

وبالنظر إلى السياقات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة، فإن مرحلة الطفولة المتأخرة، ثم مرحلة البلوغ الأولى (المراهقة)، هي المرحلة الأساسية التي يجب أن يكوّن فيها الفرد روايته الخاصة عن حياته، أي نموذجه الحياتي الإصلاحي (مع إمكانية تعديله باستمرار على حسب ظروفه الخاصة وعلى حسب قدرته على مقاومة الحتميات الخارجية)… وكما تشير أدبيات التحليل النفسي المتأخرة (وإن كانت بدايتها الأولى مع أدلر) فإن الأفراد يقومون بتطوير نمط حياتهم، والذي هوذاته أسلوب الشخصية في السنوات الأولى من الحياة، بحيث ينتهي بهم الأمر إلى تحديد نظام حكم يوجه أفعالهم طوال حياتهم بناء على التصور الأولي.

كما وتجمع الكثير من الأبحاث في مختلف العلوم الاجتماعية على أهمية التقليد  ومركزيته في تشكيل الهوية ومتعلقاتها في مرحلة الطفولة المتأخرة ومرحلة البلوغ الأولى (المراهقة) فالناس يتبنون “مخططات حياة ” محددة، أي موجودة سابقًا، وتمتلك شرعية إجتماعية. [2]

عندما يدخل النموذج الحياتي الإصلاحي الواقع الفعلي، فإنه يصبح في صراع مع البنيات النفسية والاجتماعية والسياسية الموجودة بالفعل، والتي تعمل إما على تعضيده وتحويله من الوجود بالقوة إلى بالفعل، أوتعمل على وأده ومنعه من التحقق الفعلي.

ذلك أن  الذات هي في المحصلة مزيج من الذات المتخيلة/المتصورة (الذات المثالية – الشخص الذي نود أن نكونه أونصبح عليه) والذات الاجتماعية (البنيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…)،  بحيث تتفاوض الصورة المثالية للذات مع الواقع الفعلي لتشكيل الذات الفعلية (حاصل ضرب  الذات المثالية  والأنا الاجتماعي مع فعالية الفرد في التوفيق بينهما أوتغليب أحدهما على الآخر) وتتعرض المعادلة للكثير من التغيرات على حسب المدخلات ونتائج التفاعلات الاجتماعية وتأثيراتها بحسب القوة والضعف.

في كتابهما الصادر عام 1991 بعنوان “الشخص والموقف”[3]، أوضح روس ونيسبت مبدأ ” قوة الموقف” الذي يقدم مقاربة تفسيرية جيدة لعلاقة الذات بالسياق، فحسبهما غالبًا ما يُحدث متغير الموقف تأثيرا كبيرًا في عملية تشكيل الذات، بحيث يجعل المتغيرات الأخرى والمعلومات حول السمات والاختلافات الفردية التي يعتقد البعض أنها مهمة غير ذات أهمية، وعلى الرغم من التطرف النسبي في هذا الموقف، وعلى الرغم من إنكاره للعديد من التجارب التاريخية التي تؤكد على قوة  السمات الشخصية، فإن المتأمل في الواقع الاجتماعي، المحلي والعالمي يدرك قوة البنيات الإكراهية التي تتحكم في عملية تشكيل الذوات، أوإخراج نماذج محددة من السمات دون أخرى.

ولعل دراسات الطاعة التي أجراها ميلجرام، والتي كشفت أن الضغط الظرفي يمكن أن يدفع الناس العاديين إلى ممارسة السلوكيات الوحشية ؛   ودراسة سجن ستانفورد، التي أجراها زيمباردووالتي أظهرت أنه يمكن بناء بيئة عمل فنية من شأنها أن تحفز طلاب الجامعات على التصرف مثل السجناء والحراس المجسمين، تثبت قدرة السمات على التلاعب بسمات ظرفية مختلفة بطرق مختلفة، وتوضح قوة المواقف في إنتاج تغييرات جذرية في السلوك.

كانت السمتان الرئيسيتان لحالة ميلجرام القياسية هما هالة الشرعية العلمية التي تم إجراء البحث فيها، ومطالب المجرب التي لا تلين في أن يستمر المشارك في تقديم صدمات خطيرة بشكل متزايد.  هذا الموقف يمنح المشارك خيارين سلوكيين على الأقل: الانصياع أوالمقاومة.

 

نتائج التجربة (بغض النظر عن الانتقادات التي وجهت للدراسة) تقدم  مقاربة متوازنة لدراسة العلاقة بين الموقف/البنية وبين الفاعلية الذاتية الشخصية، حيث ونتيجة لضغط البنية انصاع 60% من المشاركين للأوامر، فيما رفض 40% من المشاركين الاستمرار فيها (لا بد من استحضار واقعة الألم ودورها في رفض الانصياع للسلطة، وما مايجعل احتمال انخفاض النسبة في ظل عدم وجود واقعة الألم ممكنًا) وبالتالي فإن تفاعل المشارك مع سلطة مهيمنة ينشط بعض الدوافع والأهداف المرتبطة بالفعل (على سبيل المثال، لإرضاء المجرب، لتجنب إلحاق الأذى بالمتعلم، أوأداء دوره كمشارك تجريبي)،  أومنحه فرصة للاختيار بين الخيارين السلوكيين للطاعة أوالمقاومة. تساهم كل من عوامل الموقف والشخص في هذا التحليل السببي.

وكنتيجة مؤقتة يمكننا أن نقول بأن تأثير البنية/الموقف قوي، لكن قوته نسبية، فيمكن للسمات/الفاعلية الذاتية مقاومته، ولكن هنالك حدود معينة لتلك المقاومة، فالموقف يتيح للفرد الاختيار ضمن عدد محدود من الاختيارات الممكنة ضمن حدود الموقف،ويترتب على هذا المنطق أن المواقف لا تسمح إلا بإمكانيات معينة، والبعض الآخر مستحيل.

 

كما أن مشاركة الفرد وانخراطه في  مجموعات معينة من المراسيم الثقافية يشكل لديه مجموعة مترابطة من الميول المتبقية بحيث تبدوالتصرفات “الشخصية” بدلاً من ذلك شكلاً من أشكال السياق الشخصي، أي آثار تفاعل الشخص مع الهياكل البيئية للعقل التي تعيد باستمرار تشكيل طرق الشخص المعتادة في النظر إلى العالم والتفاعل معه، ولتوسيع فكرة التأويل الذاتي، يشير الجانب الآخر من علاقة الموقف إلى التكوين النفسي للعوالم الثقافية،  فلا توجد العوالم الثقافية بمعزل عن عمل الإنسان، بدلاً من ذلك، عندما يتصرف الناس بناءً على تفسيرات ذاتية، فإن سلوكهم يترك آثارًا تتجلى في حقائق موضوعية (الطبعنة) لإنشاء شكل من أشكال الذاتيات ضمن السياق: التركيبات اليومية للواقع التي تتحمل تأثير النشاط الشخصي/الذاتي.

الاختلاف المعياري إذا بين الذات والموقف ليس نتاجًا للتلقين الواعي في أنظمة القيم المختلفة بقدر ما ينشأ بطريقة تصاعدية حيث يشارك الناس بشكل متكرر في الواقع اليومي  – (الأفعال التي تثير أوتشكل عادات نفسية / العادة)، والتي تشير إلى النقش المباشر لمراسيم الثقافة على الأنماط الاعتيادية للعاطفة، والإدراك، والدافع، والوجود في العالم.  توفر هذه الفكرة بديلاً مفيدًا للفهم السائد للتأثيرات الاجتماعية والثقافية على الذات.

توسع فكرة الهابيتوس عند بورديوهذا التحرك المفاهيمي إلى  ما وراء المعرفة الواعية نسبيًا، للتأكيد على العمليات غير الواعية للتنظيم  عبر المطبوعات  الضمنية المضمنة في بنية العالم الثقافي اليومي،  من هذا المنظور، فإن الميول التي ربطها علماء النفس النفسيون بأنواع مختلفة من التأويل الذاتي ليست سمات أساسية للذات المستقلة أوالمترابطة، ولكنها بدلاً من ذلك تعكس الانخراط الروتيني مع الطرق الذاتية المنقوشة اجتماعيا، والتي تعيد تشكيل تلك الميول باستمرار.

ومجددا لا ينكر هذا وجود مزاجات أونزعات وراثية أوسمات خاصة  تختلف باختلاف الأفراد، لكنه تمامًا كما تتطلب القدرات الموروثة وراثيًا مدخلات تكميلية من المدخلات الثقافية  لإنتاج مهارات نمطية لكائنات بشرية ثقافية يمكن التعرف عليها، فإن محتوى قصص الهوية من بين أهم التجليات الثقافية والتي هي موارد قصص الحياة التي تشكل الهوية الشخصية.

ما يهم للتضمين في قصة هوية الفرد (الهويات القبلية مثل الجنس، والعرق، والنسب، والطبقة، والفئة العمرية، أوهويات الدور مثل الأخ، والوالد، والطفل…  تعتمد على العالم الثقافي الذي يسكنه المرء.

تختلف النطاقات الثقافية ليس فقط في حضور  هذه الهويات ومحتواها، ولكن أيضًا في مدى عملها كروابط رئيسية: الهياكل التي تنظم التجربة الذاتية عبر مجموعة واسعة من المواقف.  على سبيل المثال : أحد أهم الاختلافات في تخيل مسار الحياة يتعلق “بمغادرة المنزل”.  في كثير من النطاقات الثقافية (الغربية خاصة) فإن التوقع هوأن يغادر الشخص منزل الأسرة لبدء حياة مستقلة في مكان جديد بعد فترة وجيزة من بلوغ سن الرشد،  لكن هذا المسار/المسلك الذي يقدم بوصفه المسار الطبيعي الممكن الوحيد للحياة الاجتماعية الصحية يمكن أن يتناقض مع الوضع في العديد من المجتمعات غير الغربية، حيث يكون التوقع هواستمرار العلاقة الرابطة بين الفرد وعائلته زمانيا ومكانيا (في الكثير من الأحيان  يقضي الفرد العمر في نفس المسكن أوبالقرب منه).

تؤثر البيئات الثقافية المختلفة أيضًا على عملية تنظيم قوائم الهوية،  تتمثل إحدى أهم وظائف قصص الهوية في دمج أوتجريد تجربة التماثل أوالجوهر الوحدوي من العروض المختلفة للفرد أوالعروض التقديمية للذات عبر الزمن.

تجربة الهوية الشخصية ليست الكشف والتعبير عن بعض الجوهر الأصيل الأساسي، ولكنها بدلاً من ذلك  بناء اجتماعي ثقافي، أي نتاج المراسيم الثقافية التي تسمح بالتجريد والتكامل للهوية عبر المواقف، وهوما يسمح بسد الفجوة المفاهيمية بين التصرفات الشخصية المجسدة والبنى الثقافية البيئية التي تعمل باستمرار على ضبط تلك التصرفات.

من هذا المنظور، فإن الهياكل البيئية لا تعمل فقط على تعديل اتجاه التصرفات الموجودة مسبقًا؛  بل  إن تاريخ المشاركة مع هياكل سياقية معينة يعيد تشكيل ضوابط التأثير والتحفيز والإدراك باستمرار، وبدلاً من التركيز على السمات الأساسية المتجسدة بعمق، نحاول هنا تسليط الضوء على المدى الذي تكون فيه للتصرفات الشخصية آثارًا مجسدة بشكل خفيف في مانسميه ب “السياق الشخصي”: أي تجلي مكتسب ناتج عن تاريخ من الانخراط في المراسيم السياقية، في شكل خبرة مضمنة في هيكل العوالم الذاتية الثقافية الخاصة.

 

 

الانفصال بين بين النضج والمسؤولية

               

يشكل الناس حياتهم وفقًا لتصوراتهم الخاصة، والتي تتأثر بالثقافة ونظام المعتقدات وعملية التنشئة الاجتماعية التي مروا بها منذ الطفولة، كما  وتعكس اللغة قيم وقواعد المجتمع الذي نعيش فيه، والتي تختلف بين المجتمعات في جميع أنحاء العالم، وكما يرى التفاعليون، فإن  التفاعلات الرمزية تؤثر في المجتمع على مستوى نطاقات وأشكال بناء الواقع، وإذا عرفنا الذات على أنها الهوية المميزة التي تفصل الناس عن بعضهم البعض، مما يجعل كل شخص فريدًا، فإن الذات تتغير  باستمرار وفقًا للتجارب التي يمر بها المرء طوال حياته، على حسب الدور المنوط به.

في عام 1966، وفي كتابهما “البناء الاجتماعي للواقع[4]، جادل كل من  بيتر بيرجر وتوماس لوكمان  بأن المجتمع يتم إنشاؤه من قبل البشر وبواسطة  التفاعل البشري، وعبر فكرة (التعود)”، يصف التعود كيف “أن أي إجراء يتكرر بشكل مستمر متشكلا في نمط يمكن بعد ذلك القيام به مرة أخرى في المستقبل بنفس الطريقة وبنفس الجهد الاقتصادي”، فنحن حسبهما لا نقوم فقط ببناء مجتمعنا الخاص (ونتحدث هنا عن المجتمع الثقافي) ولكننا نقبله كما هولأن الآخرين قد خلقوه قبلنا،  المجتمع في الواقع لا يزيد عن “العادة”.

على سبيل المثال، توجد مدرستك كمدرسة وليس كمبنى فقط لأنك أنت والآخرين تتفقون على أنها مدرسة، إذا كانت مدرستك أقدم منك، فقد تم إنشاؤها بموافقة الآخرين من قبلك،  بمعنى ما، إنها موجودة بتوافق الآراء، سابقًا وحاليًا، وهذا مثال على عملية إضفاء الطابع المؤسسي على البنى، وهذا لا ينفي وجودها الواقعي، حيث أن المؤسسة، على الرغم من بنائها الاجتماعي، لا تزال حقيقية تمامًا، أي لها وجود واقعي ملموس، لكن ذلك الوجود بارد/مجوف/مادي منزوع المعنى، أما المعنى فهوعملية لاحقة يضفيها الفرد/المجتمع على الواقع.

وسع توماس ويليامز  الفكرة أكثر عندما أكد أن المعنى يمكنه تحويل تلك الموجودات المادية إلى ذوات تدرك نفسها المشكّلة بوصفها متماثلة مع التصور المبني، خاصة عندما يتم طبعنتها بواسطة الثقافة والعادة، عندها يمكن تحديد سلوك الناس من خلال البناء الذاتي للواقع بدلاً من الواقع الموضوعي، على سبيل المثال، الشاب الذي يتم منحه مرارًا وتكرارًا مجموعة من الصفات المحددة (كالتفوق مثلا) فإنه يحتمل أن يصبح متفوقًا نتيجة هذا البناء حتى لو لم يكن كذلك قبله.

وهنا يتفق ويليامز مع بيرجر ولوكمان في قولهما بأن قواعدنا الأخلاقية وأعرافنا الاجتماعية يتم إنشاؤها من خلال “التعريفات المتتالية للموقف”.   يمضي ميرتون أكثر في هذا المنحى من خلال فكرته حول “النبوءة التي تحقق ذاتها”، والذي يقصد بها أنه حتى الفكرة الخاطئة يمكن أن تصبح صحيحة إذا تم التصرف بناءً على صحتها، أحد الأمثلة التي يقدمها هومثال ” إدارة البنك”.  لنفترض لسبب ما أن عددًا من الأشخاص يخشون خطأً أن بنكهم على وشك الإفلاس قريبًا،  بسبب هذه الفكرة الخاطئة، يهرع الناس إلى بنكهم ويطلبون كل نقودهم دفعة واحدة.  نظرًا لأن البنوك نادرًا ما يكون لديها هذا القدر الكبير من المال في متناول اليد،  فإن أموال البنك تنفذ بالفعل، مما يحقق نبوءة العملاء هنا، يتم بناء الواقع من خلال فكرة.

يعتبر مفهوم المراهقة[5]نموذجًا جيدًا يمكننا من فهم فكرة البناء الاجتماعي للواقع، وفهم خطرها في وأد أي إمكانية لظهور”النموذج الإصلاحي الحياتي”

ظهر مصطلح “adolescence”  لأول مرة في اللغة الفرنسية في القرن الخامس عشر ككلمة مشتقة من المصطلح اللاتيني “Teenager” والذي يعني “الشخص الذي ينمو”، وفي القرن الثامن عشر لم تكن هناك فكرة عما نسميه المراهقة اليوم، وسوف يستغرق تشكيل هذه الفكرة وقتًا طويلاً، ابتداءً مع ظهور علم النفس المراهقة التجريبي  عندما نشر ستانلي هول في عام 1904 دراسته المعنونة ب “المراهقة وعلم النفس”، حيث  حاول تحليل هذه المرحلة التنموية الجديدة التي حدثت بسبب التغيرات الاجتماعية في مطلع القرن العشرين، تحت تأثير قوانين عمالة الأطفال والتعليم الشامل. كان الشباب حسبه قد مروا بأوقات جديدة في سنوات المراهقة عندما لم تُفرض عليهم مسؤوليات مرحلة البلوغ بالسرعة التي كانت عليها في الماضي.[6]

في عام 1962، نشر بيتر بلوس كتابًا بعنوان” في سن المراهقة”، وصفت نظرياته الصراعات عند المراهقين بين الرغبة في التحرر من والديهم والرغبة في البقاء تابعين في الوقت عينه.

كما قام بتعميم فكرة وجود مرحلتين في النموالبشري، الأولى تحدث عندما يكون المرء طفلًا صغيرًا، والثانية تحدث عندما يكون المراهق قادرًا في النهاية على التخلص من التبعية العائلية.

بما أن النضج يعتمد على تحقيق درجة من الاستقلالية، فإنه خلال فترة المراهقة تتطور”الذات”، سعيًا نحوالهدف، وهوأن يكون الفرد مستقلاً وأن يكتشف السمات الفريدة للفرد وتحتفي بها بينما يطور المرء إمكاناته المميزة.

من المهم أن نلاحظ أنه في العديد من المجتمعات الأخرى (في مرحلة ماقبل العولمة) لا يتم الاعتراف بالمراهقة كمرحلة من مراحل الحياة،  بدلاً من ذلك، هناك فرق بين الطفولة والبلوغ، مع وجود طقوس مهمة حول هذا التحول. قد تكون مدة هذه الطقوس بضعة أيام فقط، بينما في الولايات المتحدة، غالبًا ما تستمر فترة المراهقة لأكثر من عقد. على الرغم من وجود تأكيدات واحتفالات حول الحصول على رخصة القيادة أوالتخرج من المدرسة الثانوية، إلا أن المراهقين في الغرب عموما (وكل العالم بعد العولمة) غالبًا ما يفتقرون إلى علامات الطريق الرسمية في طريقهم إلى سن الرشد.

أدت رؤية عوامل الخطر هذه من بين العديد من العوامل الأخرى إلى تغذية الاعتقاد السائد في المجتمع الغربي  بأن المراهقين “محطمون” بسبب عجز كبير ويحتاجون إلى”إصلاح” لكي يصبحوا مكتفين ذاتيًا ومستقلين. أدت السبعينيات أيضًا إلى زيادة التركيز على السياق الثقافي والاختلافات بين الجنسين وفهمهما. شكلت المقاربات الجديدة تعريفات أوسع لما يعنيه تطوير الهوية والشعور بالذات في مرحلة المراهقة (يمكننا هنا الإشارة إلى أطروحات فرويد ومدرسته وروجرز ومدرسته) تتبنى جميع النظريات، بدرجات متفاوتة، فكرة أن الوصول إلى مرحلة البلوغ يمر بالضرورة بفترة أزمة تتسم بالاضطرابات والمواجهات، ومع ذلك، ابتداءً من السبعينيات، ظهرت مجموعة من من الدراسات النقدية لهذه الرؤية للمراهقة.

في نهاية دراسة طولية استمرت سبع سنوات في السبعينات بدأت أولى التشكيكات  في وجود أزمة حتمية خلال فترة المراهقة، حيث وجد الباحثون أن الشباب الذين مروا بمرحلة المراهقة قد أحسوا بتغيرات كبيرة وأعربوا عن مخاوف جديدة بالتأكيد، لكن هذه التجربة نادراً ما كانت مصحوبة باضطرابات أومشاكل عاطفية كبيرة أوقيود أوإعاقات، تمكن معظم المراهقين من التكيف مع التغييرات التي تميز هذه الفترة وانتقلوا إلى مرحلة لاحقة من التطور بسلاسة،  كما وجدوا   أن واحدًا فقط من كل خمسة مراهقين ينخرط في نوع “النموالمضطرب” الذي وصفته آنا فرويد بأنه المسار الطبيعي،  ومع ذلك، فقد واجه هذا النوع الأخير بالفعل صعوبات كبيرة أثناء الطفولة، وخاصة صعوبات العلاقة مع الوالدين والأقران.

ساهم العمل البحثي الذي قام به روتر ومعاونوه 1976 بين جميع الأطفال والمراهقين في جزيرة رايت بإنجلترا في التشكيك في فكرة أزمة المراهقة الحتمية. يلاحظ روتر، في نهاية الدراسة، أن مفهوم الأزمة العاطفية للمراهقة هو خيال أكثر منه حقيقة.

لكن ما معنى أن تكون مرحلة عمرية كاملة مجرد مرحلة مخترعة لا وجود لا؟

في الواقع لا نقصد من نفي وجود المراهقة نفي وجودها شقها الطبيعي البيولوجي، أي مجموع التغيرات التي تظهر خلال هذه المرحلة، ولا نعني عدم وجودها على مستوى البناء الاجتماعي، بل نعني عدم وجودها كجوهر عابر للتاريخ.

 

ولكن نوضح الفكرة أيضًا، لا بد التأكيد على مجموعة من النقاط المهمة:

  1. كان من المعتقد على نطاق واسع أن الدماغ يتوقف عن النموبعد فترة وجيزة من سن البلوغ، لكننا نعلم الآن أنه يستمر في النضوج حتى العشرينات، حيث لا يزال الجهاز الحوفي (حيث تنشأ المشاعر) والقشرة (ما يدير تلك المشاعر) يتشكلان… فالمناطق الرئيسية في الدماغ ودوائرها تستمر في النضج من بداية سن البلوغ وحتى منتصف العشرينات هذا يحدد المراهقة باعتبارها فترة حساسة من التطور العصبي التي تتأثر بشكل خاص بالبيئة، بما في ذلك العوامل المادية مثل التغذية والصدمات والتعرضات السامة، وكذلك العوامل الاجتماعية مثل تأثير الوالدين ومقدمي الرعاية والأقران والمعلمين.[7]
  2. تعتمد كل مرحلة من مراحل الحياة على ما حدث قبلها، وبالتأكيد لا يدخل الشباب مرحلة المراهقة “بلوحة بيضاء”، بدلا من ذلك، فإن نموالمراهقين هوجزئيا نتيجة لتجارب الحياة السابقة، ومع ذلك، فإن تجارب الحياة المبكرة هذه ليست حاسمة، وتميزها المرونة التكيفية للمراهقة كنافذة لفرصة التغيير التي من خلالها تكون آليات المرونة والتعافي والتنمية ممكنة.
  3. يختلف توقيت ومعدل تطور البلوغ اختلافًا كبيرًا، يرجع العمر الذي ينضج فيه الشخص إلى مجموعة من التأثيرات الجينية والبيئية، لقد أثبتت العديد من الأبحاث أن تجارب الحياة المبكرة، بما في ذلك المخاطر والعيوب الاجتماعية، تعمل على تسريع وتيرة البلوغ  وتقليل عمر توقيت البلوغ. على وجه التحديد، تم ربط وتيرة البلوغ المتسارع وتوقيت البلوغ المبكر بالضغوط مثل غياب الأب.
  4. عندما أصبح التعليم الثانوي تجربة جماعية، قام علماء الاجتماع بشكل روتيني بمساواة المراهقة بسنوات التعليم الثانوي، وخلصوا إلى أن المراهقة، كمرحلة من مراحل الحياة، تعتمد على التطورات الحديثة إلى حد ما التي أزالت المراهقين من سوق العمل وأطالت تبعيتهم الاجتماعية.
  5. في دراسة حول تاريخ المراهقة في الولايات المتحدة [8] ربط بين ظهور مرحلة المراهقة وبين تحديث التعليم العمومي والرأسمالية، فبينما كان التباين العمري هوالسائد، حيث تجد الطلاب في فصل دراسي نموذجي في جامعة هارفارد في منتصف القرن الثامن عشر من 12 أو13 إلى أوائل العشرينات من العمر. فإنه مع تصنيف المدارس الدنيا، تقلص النطاق العمري في مؤسسات التعليم الثانوي والعالي تدريجيًا، أولاً مع استبعاد الطلاب الأصغر سنًا (من 12 إلى 14 عامًا من الكليات) وبعد ذلك مع مغادرة الأكبر سنًا (من 25 إلى 30 عامًا).
  6. سيكون من الصعب التقليل من أهمية هذا الاهتمام المتزايد بالعمر الزمني كأساس لتصنيف الناس. في أواخر عام 1850، تميز التباين العمري بالعائلات وأماكن العمل بما لا يقل عن المؤسسات التعليمية  والعمر.
  7. ظهرت المدارس الثانوية العامة في عشرينيات القرن التاسع عشر وبحلول منتصف القرن أصبحت شائعة في البلدات والمدن، واتجه انتشار الدرجات العمرية في المدارس الدنيا بعد منتصف القرن إلى زيادة سن دخول طلاب المدارس الثانوية إلى سنة أوسنتين، من 13 إلى 14 أو15 وفرض نظام أكاديمي شاق ربطته ستانلي هول بالنضوج المبكر.
  8. في الواقع، سعى معظم معلمي المدارس العامة، إلى تحقيق أقصى قدر من الكفاءة، والذي ربطوه بنقل أكبر قدر ممكن من المعرفة إلى الأوعية الصالحة (الأطفال الأذكياء)، وقد تزامن الانتقال إلى مدارس الصف العمري مع الاعتماد المتزايد للمعلمين على الامتحانات الكتابية لتنظيم الترقية من صف إلى آخر في جميع مستويات التعليم العام. كان من المتوقع أن تكون الآثار هي نزيف التلاميذ من الصف إلى الصف ومعدلات التسرب العالية.
  9. في عام 1878، بدأت غلبة الرأي بين اختصاصيي التربية العامة تتوجه نحوالتأكيد على ضرورة التخلي عن معيار الجدارة المتشدد، القائم على فلسفة البقاء للأصلح، من أجل التركيز بشكل أكبر على قيمة الاحتفاظ بالطلاب في المدرسة لأطول فترة ممكنة
  10. عدة اعتبارات تفسر هذا التوجه، فأولا بدأت نسبة السكان الأمريكيين العاملين في الزراعة، حيث كان الطلب على عمالة الأحداث سريعًا وغير مثير للجدل، في الانخفاض حتى قبل الحرب الأهلية واستمرت في الانخفاض كل عقد بين 1870 و1930، وشملت العوامل الأخرى زيادة عرض اليد العاملة الجديدة، والقادمة نتيجة زحف المهاجرين البالغين، كما عزز التغير التكنولوجي الذي قلص الطلب على عمالة الأحداث في بعض الصناعات ؛ والتغييرات القانونية نموالمدارس الثانوية.
  11. كان التغيير القانوني الأكثر أهمية بين عامي 1900 و1930 هوالتمديد التدريجي للتعليم الثانوي، أي جعل ال16 عامًا الحد الأدنى لسن الطفل الذي يمكن أن يترك المدرسة عنده.
  12. تعممت العملية بعد ذلك إلى أوربا، ومن ثم إلى مستعمراتها، ليبصح هذا التقنين العمري عابرا للقارات والثقافات.
  13. جعل المعلمون القيمة النقدية للمثابرة في المدرسة إحدى الحجج الرئيسية لتمديد الحد الأدنى لسن المدرسة، هذا تدعم بوجهة نظر الكثير من الآباء بأن تمديد البقاء في المدرسة يؤدي إلى تكوين أفضل يؤدي  إلى أرباح أفضل.

نقصد من كل هذا أنه قبل القرن التاسع عشر، لم تكن المرحلة التنموية للمراهقة موجودة. عادة ما يكون الأطفال غير متعلمين مدرسيا؛ إذ من الشائع كونهم تعلموا كل شيء من أفراد أسرهم وذهبوا للعمل في مزرعة الأسرة بمجرد أن يكونوا قادرين جسديًا على المساهمة في العمل اليدوي.

بمجرد وصول هؤلاء الأطفال إلى سن البلوغ، تم اعتبارهم قد بلغوا سن الرشد. لذلك كان من المتوقع والشائع أن يبدأ الناس في تكوين أسر خلال سنوات المراهقة المبكرة.

 

هذا الواقع أدى إلى “علة اجتماعية” بالغة الخطورة، فبناء مفهوم المراهقة اقتضى ربط المرحلة بمجموعة من الأدوار الاجتماعية الجديدة، والتي عززت من تمديد مرحلة الطفولة، ومن ثم بناء شخصيات مهزوزة، متقاعسة، وغير قادرة على تحمل المسؤوولية، وهي الظاهرة المعروفة في بعض دراسات علم النفس الاجتماعي ب” متلازمة بيتر بان”.

الاسم الحالي لهذا النمط من السلوك، ظهر لأول مرة في كتاب دكتور دان كيلي لعام 1983،”متلازمة بيتر بان: الرجال الذين لم يكبروا أبدًا”. بينما ركز كيلي على هذا السلوك عند الرجال الغربيين، فإنه يمكن أن تؤثر متلازمة بيتر بان على الأشخاص من أي جنس أوثقافة. ضع في اعتبارك أن هذه ليست حالة صحية عقلية معترف بها. ومع ذلك، يتفق العديد من الخبراء على أن هذا النمط من السلوك يمكن أن يكون له تأثير على علاقات الشخص ونوعية حياته. ما يبدوعليه من أي وقت مضى، يميل الأشخاص المصابون بمتلازمة بيتر بان إلى العيش بهذه الفلسفة كل يوم. نظرًا لأن متلازمة بيتر بان ليست تشخيصًا سريريًا، صاغ الدكتور دان كيلي المصطلح في كتابه:متلازمة بيتر بان: الرجال الذين لم يكبروا أبدًا. بعد ذلك بعام، الصعوبات التي تواجه الشباب في السياق المعاصر. قد يرفض الأشخاص الذين لديهم خصائص متلازمة بيتر بان تبني مسؤوليات الكبار، ويجدون صعوبة في الحفاظ على علاقات صحية، ولديهم حنين شديد إلى طفولتهم/مراهقتهم، وفي حين أن معظم الناس قد يتوقون إلى بساطة الطفولة من وقت لآخر، قد يواجه الأشخاص المصابون بمتلازمة بيتر بان صعوبة في عيش حياة البالغين النموذجية.[9]

ترى متلازمة بيتر بان الأشخاص الذين يجدون صعوبة في “النمو”. قد يجدون صعوبة في إدارة المسؤوليات النموذجية للبالغين، مثل الاحتفاظ بوظيفة والحفاظ على علاقات صحية. وفقًا لكيلي، يتصرف الأشخاص المصابون بمتلازمة بيتر بان بشكل غير مسؤول وقد يظهرون سمات شخصية نرجسية. وهذا، كما يقول، يجعل من الصعب عليهم أن يكون لديهم علاقات وظيفية اجتماعية ومهنية وزوجية.

ويذكر أنه نظرًا لأن الأشخاص المصابين بمتلازمة بيتر يرفضون تحمل المسؤولية، فإنهم يميلون إلى إلقاء اللوم على الآخرين في المشكلات الحياتية، كما نجد عندهم  صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، مما يعظم من مشكلتهم في الحفاظ على العلاقات.

تشمل بعض تجليات المتلازمة في مواجهة صعوبات في المسؤوليات والالتزام بالقضايا المتعلقة بالعمل واهتمامات المهنة بسبب  عبثية وأنانية أصحابها، مع الخوف من الشعور بالوحدة وصعوبة في السيطرة على السلوك الاندفاعي والاعتماد على الآخرين ورفض/تجنب النقد.

أدرج كيلي  علامات رئيسية أخرى لمتلازمة بيتر بان. مثل اللامبلاة، وتأجيل المهام، والتأخر الكثير….

 

 

انفصال التعليم عن التفكير

                  

يعد الانفصال الحادث بين التعليم  والتفكير، أحد أهم المشكلات المعيقة على تجسيد النموذج الحياتي الإصلاحي، من ناحية ضرورة حضور التفكير النقدي النشط مهما كان مجال وشكل الإصلاح، إذ أن يشترط للمصلح  معرفة واقعه، مع ماتحتاجه هذه المعرفة من جمع بين المعرفة الخالصة، ومعرفة الإطار المرجعي، وماينتج عنهما من بناء خطة تنزيل النموذج النظري في الواقع العملي.

وفي ظل هيمنة نماذج التعليم التلقينية التي تركز على البعد الخدَمِي العملي البحت، فإن المصلح إنما يحتاج إلى شكل من أشكال التفكير المنخرط والمتفاعل مع الواقع في علاقة تداخلية وثيقة، يتكون فيه التفكير من خلال المشاركة، وهذا قريب مما كانت تسميه حنة أرندت ب” التفكير النشط”، والذي يعني التفكير شديد التفاعل الذي يُعد الفرد للتصرف في العالم الحقيقي  وأكثر من ذلك، فإن التفكير النشط في حد ذاته هوعلى الحقيقة شكل من أشكال الفعل، لأنه في فعل التفكير بهذه الطريقة، يدرك المرء أن المرء مشارك مسؤول في العالم.  على عكس الرؤية السائدة التي تنظر  إلى التفكير  على أنه شكل من أشكال التراجع عن العالم، والابتعاد عن تدفق الأحداث والتحول إلى الاستبطان الصامت، فإن التفكير النشط يشبه الالتزام بالتفكير بمسؤولية، أي الابتعاد عن منظور المتفرج المرتاح وذلك لا يتحقق إلا من خلال المشاركة والتجذر في الواقع، الواقع السياسي، بالمفهوم العام الكلي للسياسي.

وعليه يمكن فهم التفكير بحد ذاته على أنه نشاط سياسي، أونوع من الرفض للواقع العليل، أوحتى مقاومة نشطة من الفطرة السليمة، وهونشاط لا يبقى داخل العقل الفردي ولكنه يؤثر على الآخرين ويتحداهم أيضا.

يتطلب تعليم التفكير النقدي تحديدًا دقيقًا للمبادئ التي توجه هذا التفكير وكذلك المهارات التي يجب على المفكر ممارستها، والمفكر النقدي هوالشخص الذي يقدر ويقبل أهمية الأدلة والحجج وقوتها المقنعة،  عند تقييم الادعاءات، أوإصدار الأحكام، أوتقييم الإجراءات، أوالتفكير في الإجراءات البديلة.

في دراستها الرائدة حول ” تفاهة الشر” حذرت أرندت من أن أولئك الذين لا يملكون هذه القدرة على التفكير النشط سوف يخطئون،  كان المثال الأكثر إثارة للجدل على ذلك هوالبيروقراطي النازي أدولف أيخمان، حيث غطت حنة محاكمته بجرائم الحرب في القدس عام 1961 في سلسلة من المقالات لمجلة نيويوركر.

أدولف أيخمان في زنزانته، يبدوكشخص عادي، حتى ذلك الحين، كانت أرندت قد حققت في شر الاستبداد كظاهرة عامة. ووجدت  في حالة أيخمان (الذي كان محوريًا في تنظيم الهولوكوست)   الفرصة للنظر والبحث عن القوى الأعمق التي شكلت الشروط المسبقة لظهور الأشكال الشمولية من الشر السلطوي، لتستنتج في الأخير مفهوم “عادية الشر”، فلم يقم آيخمان بفعله هذا نتيجة نوازع شريرة خاصة تميزه، لم يكن وحشًا، بل كان مجرد عامل منصاع للبيروقراطية الباردة، كل ما قام به هوالطاعة، الطاعة الجامدة، الخالية من التفكير في أخلاقية الفعل.

إن الدرس المستفاد من تحليل حنة أرندت المهم، هوأن التفكير لا يرتبط بالمعطى المعرفي المنطقي البحت، بل يتعداه إلى المعطى الأخلاقي.

يعني أن أيخمان كان مجرد “شخص عادي” مثلك ومثلي، أوأننا جميعًا أيخمان، أوأنه يمكن إعفاء أيخمان من المسؤولية عن أفعاله لأن أي شخص كان سيفعل الشيء نفسه،  بل كانت مشكلته الأساسية مرتبطة به، لا يشاركها بأي حال من الأحوال مع أي شخص آخر على الرغم من أنه أيضًا ليس فريدًا فيها، وهي عدم القدرة على التوقف والتفكير في أفعاله، ليعطي لنفسه حسابًا تأمليًا لمعنى ما فعله.

 

اتضح أن التفكير يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.  إذا لم تكن الجرائم الفظيعة ناتجة بالضرورة عن نوايا شريرة أورذائل مثل الكراهية أوالغيرة، بل أصبحت ممكنة بسبب عدم التفكير، فإن الانخراط النشط في التفكير قد يمنع ارتكاب الفظائع.

والتفكير ليس هوالمعرفة، بل هوالقدرة البشرية على تجاوز الموجود والمعروف، وقد كان كانط أول من أوضح هذا التمييز – حسب مصطلحاته هوذلك بين العقل والفكر، حيث يرى  أن الإنسان لديه ميل، غالبًا ما يشعر به على أنه حاجة، للتفكير فيما وراء المعرفة المعطاة وحتى أبعد من كل المعارف الممكنة، والتفكير  بالمعنى الصحيح يختلف أيضًا عن الاستخدامات الأخرى لقدراتنا العقلية، مثل الحسابات الرياضية  أوحل المشكلات أوالتكهنات النفعية حول الوسائل الفعالة لغايات معينة.

قد تتضمن كل هذه الأنشطة العقلية التفكير، لكنها تسخره لتحقيق غاياتها الخاصة وتتوقف عند الوصول إلى هذه الغاية، عندما يكون التفكير مستقلاً عن مثل هذه الأهداف الخارجية، فإن الأسئلة التي يطرحها لا يمكن أن يكون لها إجابات محددة ولن يتم الوصول إلى أي هدف نهائي.  هذا هوالسبب في أن التفكير يختلف أيضًا عما نسميه عادةً بالعقل، أي اتباع الاستدلالات المنطقية الصارمة، واستخلاص استنتاجات صحيحة من افتراضات معينة.  العقل، بهذا المعنى، يسعى للحصول على براهين صلبة ومستدامة، في حين أن المعاني الفكرية ثقافية الأساس.

 

الانفصال عن الثقافة، وتفتيت المرجعية

                                  

تشير” العلمنة”  إلى الأنماط التجريبية التاريخية الفعلية أوالمزعومة للتحول والتمايز بين المجالين المؤسسي “الديني” و”العلماني” من بدايات الحداثة إلى المعاصرة. وعلى الرغم من أن العلوم الاجتماعية تنظر إلى العلمنة كنظرية عامة، إلا أنها تتكون في الواقع من 3 نظريات مختلفة ومتباينة في نهاية المطاف[10]: العلمنة بوصفها (1) تمايزا مؤسسيا، أي تأسيس مجالات مستقلة بداية مثل الدولة والاقتصاد والعلم، وانفصالها عن الديني الذي يتحول هوالآخر إلى مجرد مجال، العلمنة بوصفها (2) التدهور التدريجي للمعتقدات والممارسات الدينية نتيجة التحديث ؛  والعلمنة بوصفها (3) خصخصة الدين كشرط مسبق للسياسة الديمقراطية الحديثة.

ميل علماء الاجتماع إلى النظر إلى جميع العمليات الثلاث على أنها مكونات مترابطة جوهريًا لعملية غائية عامة واحدة للعلمنة  والتحديث ناتج في جوهره عن تحيزات عصر التنوير.

في السنوات الأخيرة، خضعت اثنتان من الأطروحات الفرعية لنظرية العلمنة إلى نقد شديد داخل وهما تدهور الدين وخصخصة الدين نتيجة ظاهرة مايسمى ب “عودة الديني”  ومع ذلك، فإن جوهر الأطروحة، أي التمايز الوظيفي بين المجالات المؤسسية المختلفة مازالت تحظى بالقوة في سوسيولوجيا الدين، ويعتبر كازانوفا مدافعا أساسيًا عن أطروحة التمايز بوصفها مهمة للتحديث، بل هي جوهره الأساس.

ظهر “العلماني” أولاً كفئة لاهوتية مسيحية غربية معينة. ومع ذلك، فإن مصطلح “الديني” المتناقض الحديث هوفي حد ذاته فئة علمانية أوروبية حديثة.  من خلال الاعتراف بهذا التناقض، نبدأ في فهم الأهمية الحاسمة للمواجهة الاستعمارية في التطورات الأوروبية، وما يصاحب ذلك من عولمة لمقولة الدين، وما يصاحب ذلك من نزاع ساخن ومناقش حول كيفية وأين ومن قام بالحدود المناسبة بين الديني  والعلماني.

 

تصبح فئة العلمنة نفسها إشكالية للغاية بمجرد وضعها في هذا السياق التاريخي، باعتبارها مرتبطة بالمركزية الأوروبية. ومن ناحية وجوب أن يُنظر إلى العلمنة الأوروبية، وفقًا لكازانوفا بوصفها فئة غريبة لا توجد خارج الغرب الأورو-أمريكي، لكن هذا الزعم يصح فقط حسب ظني في حالة عدم وجود بؤر تأثير في الميتروبولول الغربي، تخلق بؤر تأثر وتبعية في الأطراف، والدولة الحديثة نموذج جيد على ذلك من ناحية قدرتها الكبيرة على تشكيل الذوات، أي خلق أطر تفكير ورؤية للعالم موحدة، عبر شكل من العولمة القهرية، وحسب طلال أسد فإن “الدولةُ ليست سبباً للعلمنة، بل تمثيلاً لها” وأيضا منتج من منتجات التمايز، ظهر التمايز نتيجة لها وبالتفاعل والصراع معها، ثم أصبح ذاتها وتجسد في بيروقراطيتها، فعملت الأخيرة على بناء النطاقات والمجالات المستقلة ثم تربية الذوات عليها لتؤسس شكلا من الفينومينولوجيا العلمانية داخل الجسد المسلم.

 

ونلحظ أثر العلمنة، أي العلمنة بوصفها شكلا من التمايز بين النطاقات في اللغة العادية وتصورات الناس العاديين (وهوالجانب المهم الذي لم يدرس من سوسيولوجيا العلمنة، فهنا نبحث في تمظهرات العلمنة في الحس المشترك العام للناس، وفي بديهيات الفعل والتصور عندهم، بل عند فئات لم تتأثر بالعلمنة كنظام معرفي ومنتوج فكري).

فلاحظ مثلا إذا ما قام السياسي/رجل الدولة ببناء مسجد، أوزيارة مكان” ديني”، أواستخدم النص الديني في حواراته وأحاديثه  فإنه سيرمى بتهمة” استغلال” الدين، ولكنه إذا قام ببناء مستشفى أومدرسة  فلن يعتبر هذا العمل “استغلالا للدين” مع أنه فعل ” ديني” في الإسلام، مثله مثل سابقه.

لماذا؟…لأن هنالك تصور ضمني في اللاوعي والحس المشترك أن:

  • السياسة مستقلة عن الدين (فكرة الفصل بين المجالات/التمايز).
  • الدين محدود في المجال الشخصي، أي في ما يتعلق بالعلاقات التعبدية المحضة.

وفي نفس السياق، لا يعتبر رجل الدولة الذي يستند في خطاباته إلى اللغة القومية والوطنية “مستغلا للوطنية/القومية” لأن اللغة القومية هي وحدها اللغة المشروعة في المجال العام/السياسي دون بقية اللغات الأخرى، وبخاصة اللغة “الدينية”.

 

ثم لاحظ التحيز المعرفي في مفهوم “العلوم الدينية” والذي هوفي أصله مرتبط بالمسيحية ونظام الكنيسة المعرفي، حين انتقلت تراتبية العلوم  من مركزية “العلوم اللاهوتية” إلى “مركزية العلوم الدنيوية”، وتم إلغاء الصبغة الدينية عن العلوم المتعلقة بالواقع،  لكن، وعلى العكس من ذلك فإن  العلوم “الدنيوية”  لا تطابق هذا التصور في الإسلام، فصحيح أن علوم النص ترجع في مرجعيتها الاستمدادية إلى النص، وعلوم الواقع ترجع في مرجعيتها الاستمدادية إلى الواقع ذاته، إلا أن علوم الواقع من زاوية أخرى، وإذا أفرغت من مضمونها الوضعي، وربط فيه مسلك العلم بمسلك العمل، تحولت هي الأخرى إلى علوم خاضعة للتقييم الديني، أي دينية من جهة غايتها، فنحن لا نحاول فهم “النفس” الإنسانية من أجل مجرد الفهم، بل من أجل علاجها/تقويمها/تقويتها/تزكيتها…

ولا نحاول فهم المجتمع الإنساني، ولا المجتمع السياسي من أجل مجرد الفهم، بل من أجل الضبط والتقويم، ومن ثم تصبح علوم الواقع علومًا لها من الشرف ما لغيرها، لأنها المعبر الذي يسمح بنفاذ الكليات الأخلاقية الإسلامية وتجسدها في الواقع، ومن دونها يصبح النص غير قادر على التأثير في ممارسة فعاليته الواقعية المطلوبة…

عدم إدراك هذا البعد الكلي في المرجعية الاستمدادية يجعل من هذه الأخيرة عاجزة عن إمداد المصلح بالأدوات والوسائل الكلية التي تساعده على تحقيق هدفه الإصلاحي، بتمامه وكماله، ومن ثم تصبح المرجعية ميتة، خاصة، محصورة، ومحدودة التأثير، أي غير قادرة على الدفع بالمجتمع المسلم إلى الدخول في مسار التاريخ من جديد، ويحدث انفصال المصلح عن الثقافة المرجعية.

 

وقد يتخذ الانفصال عن الثقافة شكلا آخر، وهونكران تلك الثقافة لعدم جاذبيتها، حيث يقودنا هذا إلى الحديث عن الهيمنة المعرفية للبراديغم الغربي، بوصفها (الهيمنة) شكلا من أشكال سلطة تحديد مجال مايمكن أن يقال (سلطة الخطاب بمفهوم فوكو)، فإن كان الإطار المعرفي هونظام  المعاني،الذي  تم إنشاؤه تاريخيًا والمحافظة عليه بشكل جماعي/سلطوي/مؤسسي، والذي من خلاله تفهم المجموعة وتقيم الحياة الفردية لأعضائها والحياة الجماعية للمجموعة، فإنه يجب أن يكون لكل مجموعة إمكانية الوصول إلى نظامها الخاص من المعاني والتفسيرات، أي إلى إطار معرفي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية الجماعية للمجموعة وكذلك الأفراد الذين يشكلونها.

وعندما عندما يتغير الإطار المعرفي لمجموعة ما دون علم/رغبة/وعي أعضائها، بفعل مجموعة أخرى، وبعبارات لا يفهمونها، فإن المجموعة تفقد استقلاليتها المعرفية.

يحلينا هذا إلى أطروحة راجيف بهارجافا حول الظلم المعرفي، فحسبه يمكن أن يتخذ الظلم المعرفي ثلاثة أشكال مختلفة على الأقل:

  1. فرض تغيير يؤثر على محتوى الأطر المعرفية.
  2. تغيير الأطر المعرفية الأساسية.
  3. فقدان قدرة الأفراد في المجموعة على الحفاظ على أطرهم المعرفية أواستعادتها أوتطويرها.

إن آليات الظلم المعرفي والثقافي كثيرة  ففي البداية يكفي أن تولد في مجتمع تمنع فيه الممارسات المهيمنة (سلطة البراديغم المهيمن) الأفراد من الوصول إلى معرفة قوية بما فيه الكفاية للتقاليد الثقافية والتاريخية لمجتمعهم، في هذه الحالة، لا يمكن الوصول إلى الإطار المعرفي الأصل، من المؤكد أن ماضي المجتمع لا يزال حاضرًا في آثاره، ولكن في شكل مشتت لدرجة أنه محكوم عليه بالبقاء بعيد المنال.

ثانيًا، يمكن أن ينشأ الظلم المعرفي بطريقة أكثر دقة، في هذه الحالة، لا تزال الأطر المعرفية للمجموعة المستعمرة موجودة، سليمة إلى حد ما وفي شكل متماسك ويمكن التعرف عليه. حتى المستعمرون يلاحظون وجودها، باختصار، توجد هذه الأطر كخيارات، ولكن يتم تجاهلها بسبب افتقارها إلى القيمة، ويعتنق المستعمر إطار المستعمرين لسبب بسيط هوأنهم فقد بالفعل استقلاليته المعرفية، يسبق هذا الاختيار الأعمى عمومًا عملية تقليل مرتبة الأطر الثقافية والمعرفية للمستعمَرين، وهي عملية تتكشف أولاً من خلال خطاب المستعمرين.

 

وهي نفسها الملاحظة التي يشير إليها جوزيف مسعد في في كتابه “الإسلام في الليبرالية” حين يشخص أعمال العديد من المؤلفين العرب المسلمين المقيمين في أوروبا. هؤلاء المؤلفون، مثل فتحي بن سلامة، ومالك شبل، وعبد الكبير خطيبي، يستدعيون التحليل النفسي الفرويدي واللاكاني لتحليل الإسلام السياسي (أوالإسلاموية). يلتقي مسعد بهؤلاء المؤلفين على أرضهم الخاصة، في مواجهة تحليلهم النفسي للإسلاموية بطريقة فرويدية قائلا : “ما لم يتم التفكير فيه في هذه الطروحات، على الرغم من ذلك، هواحتمال أن عودة المكبوت هي سمة من سمات قلق هؤلاء المفكرين وليس فقط، أوبالضرورة، من المسلمين أوالإسلاميين الآخرين. هذه” العودة” تعيد فتح مشهد صدمة هؤلاء المفكرين لاستمرار الإسلام ليس فقط” دين” في حياة العرب والمسلمين. وهذا يسبب لبعض مفكري التحليل النفسي “إحراجًا” و”خزيًا” أمام نظرائهم الأوروبيين، والأهم من ذلك، أمام ذواتهم الأوروبية.

 

انفصال المفكر/المثقف عن التأثير

 

في عام 1894 اكتشف الجيش الفرنسي أن السفارة الألمانية في باريس قد حصلت على معلومات عسكرية سرية،  بعد تحقيق قصير ومتحيز، تم الاشتباه في ألفريد دريفوس واعتقاله، حاكمته محكمة عسكرية بناءً على وثيقة واحدة وأدانته بالإجماع بعد تلقيه ملفًا سريًا مكونًا من أدلة ملفقة، بعدها تم إكتشاف أن الخائن الحقيقي كان في الواقع ضابطًا آخر، وأن معظم الأدلة السابقة قد تم تزويرها، تحول الأمر ببطء إلى نقاش وطني، وجاءت نقطة التحول عندما كتب الروائي الشهير إميل زولا رسالة مفتوحة، إلى فيليكس فور، رئيس الجمهورية،   في الأشهر التي تلت ذلك، تحول النقاش من مجرد مناقشة قانونية إلى معركة أيديولوجية كاملة، وعقدت محاكمة جديدة في رين في صيف عام 1899. وأدين دريفوس مرة أخرى، ولكن مع ظروف مخففة، ثم منحه الرئيس عفواً وماتت القضية.

كانت هذا السياق هوالسياق التاريخي لظهور طبقة المثقفين، فإن وجد في التاريخ الإنساني أشكال مختلفة من منتجي الأفكار، فإن الجديد في هذه اللحظة هوأن يرتبط من نسميهم ب “النخبة” في وحدة معنوية واحدة، أي بداية من لحظة درايفوس أصبح يشعر كل من  العَالِم والكاتب والأديب والفنان أنهم ينتمون إلى مفهوم واحد جامع، وبالإضافة إلى المعطى الأول، والمتمثل في إنتاج الفكر، فإن النزوع العملي، النضالي كان الوجه الثاني لتعريف المثقف، فهوالمدافع عن الحق، والساعي إلى تحقيق العدل، وهوما جعل جيرار ليكلرك (في كتابه سوسيولوجيا المثقفين) يعتبر مفهوم المثقف علمنة لمفهوم النبي…وعلى الرغم من اختلاف تحققات مفاهيم العدالة والحق بين المثقفين في العالم، تبعا لاختلاف مرجعياتهم المعرفية، وتصوراتهم الرؤيوية، إلا أن نموذج المفكر منتج الفكر، المتدخل في الشأن العام، ظل حاضرًا ومؤثرًا إلى غاية النصف الثاني من القرن العشرين، أين بدأت القوة الرمزية للمثقف في الضمور، ففي كتابه نهاية اليوتوبيا ينظّر رسل جاكوبي لحقبة ذهبية  انصرمت مع نهاية الخمسينات، فبعد أن كان فيها المثقف يتمتع باستقلالية ونظرة عالمية ويخاطب الرأي العام بلغة يفهمها،  ويحظى بنفوذ وهويتصدى لقضايا العصر… تحول في الحقبة التي تلت إلى متخصص ملتحق في الأغلب بالمؤسسات الاكاديمية وغيرها من الجهات، والتي تستخدمه وتقيده، ولم يفقد المثقف استقلاله بالتحول الى متخصص فحسب بل فقد قدرته ورغبته في مخاطبة الجماهير ايضا، حيث طور هؤلاء المتخصصون لغة لا يفهمها غيرهم، وتحولوا الى فئات مغلقة على نفسها محصورة باهتماماتها البعيدة كل البعد عن قضايا الناس، لا يرجع هذا إلى الهيكلة الحديثة للجامعة، والتي عملت على احتواء المختصين ورجال الفكر، بل تزامن هذا مع خطاب معادي للحقيقة، جسدته الفلسفات المابعدية، والتي عملت على تفكيك ماكانت تسميه بالسرديات الكبرى وتؤمن بفلسفة للفعل  تكون مرحلية ومؤقتة وراهنة وتخلومن البعد التنظيري الشمولي الذي يميز السرديات الكبرى، مع الدعوة إلى تتجاوز التجريد والتعامل مع الواقع كما هو. والابتعاد عن  البحث في الميافيزيقي أوالمطلق مثل الحق والخير والجمال والصدق، وإنما البحث في قضايا الواقع السياسي والاجتماعي الراهن ضمن اللحظة المعاشة، وبدون السعي إلى استنباط نظام أوبنية تدعي لنفسها القدرة على تأويل التاريخ والطبيعة والكون، وبهذا سُلب من المثقف أهم خصوصية تميزه، وهي قدرته على قول الحقيقة والدفاع عنها، وفي ظل هذا الواقع تعرض نموذج المثقف الكلاسيكي للحصار، كما تحولت المؤسسات الأكاديمية من كونها متهمة وناقدة لرأسمالية الشركات إلى  متواطئة معها. فأصبحت تنتج سلعة تعرف باسم الخريجين والمدربين لأداء وظائف خدمية محدودة.

لقد تغلغل منطق السلعة الآن في مجال احتياجات الإنسان وتنشئته، مما أدى إلى ظهور الأعراض المرضية هناك.  في الجامعات، كما هوالحال في الشركات عبر الوطنية، تواجه قوة عاملة ساخطة إلى حد كبير نخبة إدارية مهووسة بالتمويل.

كما يلاحظ المتأمل للواقع حضور نزعة قوية من معاداة المفكر والمنظر تتغذى من شعبوية  شكوكية لا تثق في أهل المعرفة وتكره الخبراء والمثقفين بسبب وجهة نظر مفادها أن الإحساس/الحدس الواضح للرجل العادي يمكن أن يكون بديلا للمعرفة والخبرات الرسمية، إن لم تكن أفضل بكثير منها.

وبفعل دمقرطة الظهور، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فاعل جديد، وهو”المؤثر”: شخص له تأثير كبير اقتدائي على المتابعين عبر الإنترنت، وبغض النظر عن حجم “تأثيره”، فإن المؤثر هوالشخص الذي يتمتع بمكانة متميزة في نظر عدد من الأفراد عبر الإنترنت.  ولديه القدرة على التأثير في سلوك الشراء والتفكير وحتى المعتقدات لدى أتباعه ومحبيه، وهذا يعني أن المؤثر يمكنه التلاعب بالناس لشراء منتجات غير ضرورية، وتبني قيم معادية، وتصبح مادية بشكل مهووس.

عندما يرى الناس أشخاصًا “مثلهم تمامًا” يكتسبون عددًا كبيرًا من المتابعين بمجرد الحديث عن منتجات وخدمات معينة (وحتى الحصول على أموال مقابل ذلك)، فقد يميلون إلى محاولة أن يصبحوا هم أنفسهم مؤثرين.

في مقال نشرته صحيفة [11]The New Yorker، قدم لورانس سكوت تشبيهًا دقيقا يصف واقع المؤثر الشرير: “يمكن أن يكون المؤثر باتمان والجوكر في الوقت عينه،  فهناك أفراد يستخدمون نظامهم الأساسي فقط لتجميع الثروة أوالمنتجات، ويسلطون الضوء بشكل غير أصيل على فوائد منتج أوخدمة معينة لبيعها فقط، قد يكون هذا خطيرًا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بالمنتجات أوالخدمات أوالتصورات التي يمكن أن تغير صورة الأشخاص عن أنفسهم، وتوليد عدم الأمان، وتشجيع النرجسية المتفشية والغرور والمادية…

يمثل ظهور المؤثر مشكل أساسيًا يعيق عملية إعادة توليد نماذج جديدة من المفكر المثقف، لأنه وبفعل الدمقرطة، أصبح المراهق الذي لا يمتلك أي مواهب أومهارات أومعارف أوأفكار بإمكانه إحداث تأثير فعلي في الواقع يماثل أويفوق تأثير السياسي على سبيل المثال.

 

انفصال النموذج عن الأمل[12]

 

الأمل ليس مجرد توقع واثق لسلعة مستقبلية، بل يتعلق بالعمل، مع الالتزام والمسؤولية الذاتية، مع الممارسة التي تحول الوضع الحالي وتغيره، قادت التغيرات المجتمعية في القرن الماضي، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، المفكرين إلى تخيل أنثروبولوجيا فلسفية تتمحور حول مفهوم الأمل  من وجهات نظر مختلفة تمامًا، أن الأمل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة البشرية ومصيرها،  الفعل، والتغيير الاجتماعي، واليوتوبيا، والثورة، والتحرر، والابتكار، والثقة. شكلاً  من أشكال الوصول إلى الواقع، وهوشيء “غير واعٍ بعد” ويعكس بدوره “إمكانية موضوعية” دائمة، وفي غيابه تتوقع وتعدم مجرد إمكانية التفكير في التجاوز والتحول.

لاحظ فروم أن شبحًا يطارد في وسطنا لا يراه سوى القليل منهم بوضوح.  إنه ليس الشبح القديم للشيوعية أوالفاشية.  إنه شبح جديد: مجتمع آلي بالكامل، مكرس لإنتاج واستهلاك المواد القصوى، ويشير فروم، وهومن الأفكار المهيمنة في تأملاته، إلى أن الحالة الإنسانية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، والتي تتميز برفاهية واسعة النطاق، تبدومعلقة بين “عدم الرضا المتزايد عن أسلوب حياتنا الحالي، وسلبيتها ومللها الصامت، وافتقارها للخصوصية وخصوصياتها.  تبدد الشخصية، والتوق إلى وجود بهيج وهادف، يحتاج الناس دائمًا إلى الأمل – لكن هذه الحاجة تبدوأكثر إلحاحًا وإلحاحًا في مجتمعات اليوم، والتي تحجبها الاستبداد الذي يلوح في الأفق، والتدمير، والامتثال الشبيه بالآلات.

لاحظ فروم أن شبحًا يطاردنا في لا يراه سوى القليل من البشر بوضوح، إنه ليس الشبح القديم للشيوعية أوالفاشية،  إنه شبح جديد: متجسد في مجتمع آلي بالكامل، مكرس لإنتاج واستهلاك المواد، ويشير فروم، (وهي من الأفكار المهيمنة في تأملاته)، إلى أن الحالة الإنسانية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، والتي تتميز برفاهية واسعة النطاق، تبدومعلقة بين عدم الرضا المتزايد عن أسلوب حياتنا الحالي، وسلبيتها ومللها الصامت، وافتقارها للخصوصية ،تبدد الشخصية، والتوق إلى وجود بهيج وهادف، فيحتاج الناس دائمًا إلى الأمل – لكن هذه الحاجة تبدوأكثر إلحاحًا وإلحاحًا في مجتمعات اليوم، والتي تحجبها الاستبداد الذي يلوح في الأفق، والتدمير، والامتثال الشبيه بالآلات.

 

خاتمة

 

يتبين لنا أن النموذج الإصلاحي الحياتي هوعبارة مجموعة التصورات  المحددة لرؤية الإنسان للعالم، والتي تترجم في شكل “مسار للحياة”، وهوضروري، لأنه يجعل الفرد يسير وفق رؤية محددة، ومتطورة في الوقت عينه، وعلى الرغم من ضرورة حضور النموذج، إلا أن البنيات المعاصرة، الناتجة عن العولمة الثقافية، والقصور الذاتيتعمل على قمعه، ومنعه من التجسد بالفعل، عبر مجموعة من الانفصالات، والتي تحتاج إلى مزيد تحليل وتفصيل وتعميق، ثم إلى بيان إمكانية مقاومة النسق، وبناء بنيات عكسية، تسهم في تشجيع خلق النماذج الإصلاحية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *