ملخص مداخلة الدكتور ناصر الدين سعيدوني ضمن نشاط مناقشة كتاب المسالة الثقافية في الجزائر:
– تناولت مداخلة الدكتور ناصر الدين سعيدوني في مقدمتها محطات من رحلته المعرفية أو كما سماها “الولادات المعرفية”، فالإنسان “يولد مرة واحدة بيولوجيا لكنه يولد علميا ومعنويا عدة مرات”
فقد كان أول ميلاد معنوي جديد هو “الثورة” التي عاشها د.ناصر الدين بأهوالها، ثم كانت الولادة العلمية الأولى في جامعة الجزائر ،ولادةً أصيلةً دون آفاق، تليها الولادة العلمية الثانية بعد دراسته في الخارج أين اتسع الأفق واتضح له أن الثقافة هي “عطاء واستيعاب وتَمثُّل”وأن العالم أصبح عالم المعرفة والتداخل.
أما الولادة الثالثة فكانت بعد تجربته التعليمية في الأردن ثم في الكويت وغيرها من جامعات، أين تعرَّف على الفضاء العربي الإسلامي الواسع وخرج من ضِيق الولع بالغرب أو الإكتفاء بالذات.
وآخر ولادة معرفية كانت حين انكب على التأليف وممارسة الكتابة ليصل ل 79 مؤلفا اكادميا في مختلف المواضيع.
ليختم هذه المحطات بنصيحته حول أهمية التواصل مع الجامعات وحضور المؤتمرات العلمية ومناقشة الأفكار فهي طريق لاكتساب،تمثل، تثوير واخصاب للمعرفة الحقيقية.
– اتقل الدكتور إلى لب موضوع مداخلته حول كتاب المسألة الثقافية، فهذا الكتاب الذي اختار أن يكتبه من منطلق الإثبات كما قال “التأليف همٌّ من الهموم لكنه طريقُ الإثبات” يصف واقع بلاد المغرب “الجزيرة المغلقة فكريا والمنقطعة حضاريا” التي تعيش على ظاهرة التآكل الداخلي، ليس لها منفذ اليوم الا التعامل مع العالم بشروط العصر الذي نعيشه،الشروط المعرفية بأدواتها المهمة من قراءة فعالة وكتابة إثباتية ،ففي وسط لا يقرأ ،ويتحسس من الذي يقرأ وقد لا يطبق ما يقرأ، يمر علينا التاريخ مغلقا، ونسجل فيه غيابنا في صمت..
ومن هنا تأتي المأساة التي تناولها الكتاب، مأساة اللغة في الجزائر، فمنذ ماسينيسا الذي كان لا يتكلم لغة أهله ويفضل اللاتينية والاغريقية، إلى اليوم، أين تصبح اللغات الأجنبية اللسان الذي يسهِّل الوصول للمناصب والنفوذ، بينما اللسان الحضاري المعبر عن الذات نجده متواري يظهر في المناسبات فقط.
وفي هذا السياق أشار الدكتور لهذا العصر الجديد الذي يعيشه العالم العربي” هذا العصر الصهيوني الذي بدأ يلُفُّ العالم العربي” والذي يرى أن لا سبيل فيه للخلاص إلا من خلال معرفة ذاتنا وانطلاقا من وعينا بواقعنا “فالعالم العربي يعيش رعشة الموت أو رعشة يقضة الحياة”.
– لينتقل للخصوصية الجزائرية: الجغرافية، التاريخية والثقافية، التي تكسبها دورا مهما مستقبلا.
فجغرافيًّا يراها الاستاذ قُطرًا مُهيَّئً للنهوض، فهي في خط التقاطع والتماس مع أوروبا (الداء والدواء) والحضارة تولد من كتلتين متضادتين.
وثقافيا،فهي تمتلك طاقات وكفاءات ونخب مازالت على سليقتها، لم تُغمر في الانتهازية واللصوصية وعدم قول الحقيقة ومجاراة الواقع.
أما تاريخيا وصف الدكتور الثورة في رصيدنا الثوري “بجهنم” غير أننا “دخلنا جهنم وخرجنا منها، جهنم لم تحرقنا كشياطين لكنها طهرتنا كملائكة”
ورغم خسارتنا التي تكبدناها حين أهدرنا وصية الثورة الجزائرية (ليلة قدر سماء الجزائر) فلا يحق لنا أن نقف عند تلك الخسارة، إذ لازالت هناك أسهم لنا في مجال المعرفة والتاريخ، وهذا البلد مؤهل لأن يندفع ويتجاوز أفق العصر الصهيوني الذي بدأ مع بداية هذا القرن، والشرارة والامكانية هي الشباب بحيويتهم واندفاعهم نحو تغيير واقعهم. وفي هذا الطريق الوعر الذي تكمن الشياطين في كل تفاصيله علينا ان نتفطن للعثرات على غرار للثورة المضادة ونحدد واقعنا بدقة، ونهيئ الشروط لبناء نخبنا التي تحتاجها الجزائر لتبعث الفكرة ثم النهضة عبر وسيلة المعرفة، وفي هذا العالم صغير التي تنتشر فيه الافكار بسرعة من لا يغير نفسه يطمسه الزمان، وتتجاوزه الأحداث ،ويموت في تاريخه الصامت.
– في الختام أشاد الدكتور بمثل هذه المجالس التي يرى فيها بداية الوعي بالذات، وبالأفق الواعد الذي على الشباب أن يتطلع إليه،وختم بقوله أن الحياة مصدرها الأمل ووسيلتها العزيمة وواقعها التغيير في الواقع.
نكرر شكرنا للدكتور ناصر الدين سعيدوني على إتاحة هذه الفرصة وعلى مداخلته التي كانت غنيمة مجلسنا ،والشكر للحضور الكريم.
