بعد اختتام إشكاليات الجلسة الأولى تقدّم الأساتذة الأفاضل بتعقيباتهم:

حيث افتتح الفقرة الأستاذ “أحمد بين يغزر” الذي استهل تعقيبه بالتعبير عن سعادته للوجود في مثل هذا الجو الذي يشبع الأشواق الموجودة بداخل كل واحد فينا، خاصة لمن يمارس البحث عن المعنى، في الاستماع لقضايا عميقة من طرف فئة شبابية، ثم ذكر جملة ملاحظات نحاول تلخيصها فيما يلي:

إنّ عزوف الشباب عن الشأن الفكري هو واقع مُلاحظ في فئتين من الشباب هم الطلبة الأكاديميون وروّاد المساجد، حيث يشترك هؤلاء في ممارسة الفكر بغرض الشهرة عبر ترديد مصطلحات دون إدراك لمعناها.

المنتوج الفكري الغربي غالبٌ على الإشكاليات الثلاث على حساب الموروث الاسلاميّ وذلك راجع للمركزية الفكرية الغربية وهذا ما يراه الأستاذ غير مقبول مثلما هي القطيعة التّامة معه بدعوى التميّز. بعد ذلك ذكر الأستاذ أنّ نزعة التوصيف والتشخيص غالبة على الإشكاليات الثلاثة مع غياب لمطابقتها مع الواقع مما يجعلها غير فعّالة بالإضافة إلى الإبتعاد عن تقديم الحلول العمليّة.

تقدّم بعد ذلك الدكتور “عمّار جيدل” بتعقيباته التي نذكرها في النّقاط التالية:

التفكير النقدي هو محيط ثقافي واجتماعي مسموح به في المحيط الواسع والضيق على حد سواء، كما أنّه برنامج نَفَسي يستغرق الحياة كلّها فالجميع له حق النقد في حدود الأدب.

التفكير هو تعليم الناس كيف يفكرون لتحديد معطيات واقعهم والبحث عن المطلوب في إطاره؛ لا على مستوى الإطار النّظري؛ الذي يتحقق بمراعاة شروط الزمان، المكان والإنسان الحامل للفكرة، فالقضية الفكرية هي قضية واقع.

الإحالة إلى نماذج تأسيسية وتحليلية غربية يكون عند اختصاصها دون غيرها بفكرة، أمّا كثرة الاستشهاد بها فقد يحيل على نوع من مزاولة الإدهاش،أو يقودنا لنكون كاتبين لحاشية على متن بينما الهدف هو أن نكون منتجين لمتن يزاحم جملة النماذج التي تقدم حلولا.

أشار الأستاذ إلى أهمية الحديث عن الاستلاف الإصطلاحي بالنظر إلى الخلفية الفكرية المرتبطة بالمفهوم، في الحديث عن الاصطلاح ذكر الفرق بين الوضع (ما ذكر في المعاجم) والحمل (ما نجده في كتب الاصطلاح) والاستعمال (المتعلق بالاستلاف).

وفي تعقيبه على موضوع ” المراهقة ” أكد على ما أشارت إليه المتدخلة حول الخطاب الموجه للمراهق اليوم إذ شببهه بمن “يغرد خارج التاريخ وخارج الواقع الاجتماعي” هذا يضعنا بين جدلية
المصطلح المستلف بخلفيته الفكرية وجدلية الواقع، وأخيرا أكّد على أنّ خطابنا اليوم عن المراهق بالفعل لا ينتج الوثبة الفكرية ولا الحضارية لغياب الجرأة على التشريح الموضوعي للواقع كما هو لا كما يجب أن يكون.

القول بأن التعوّد يوّلد الرؤية قول خاطئ فالرؤية هي مراجعة للعادة من خلال النموذج، فالتصور يضمر ولا يضمحل والسلوك المُنتج منه يتسع ويضيق وفق وتيرة تذكيره من خلال وسائل فكرية مُستغرقة في الزّمن.

صناعة التفكير تكون بأخذ يد المتلقي ليفكّر دون إملاء الأفكار عليه فهو ليس تابعًا بل ينتمي لمرجعية فكرية واجتماعية يُنتج من خلالها توّرث الشعور بالمسؤولية.

الحديث عن الفكر دون قصديّة (لماذا تتحدث؟ وهل لك أهلية ذلك؟) ناتجة عن عمل باطني كلام فارغ ودون معنى.

اعمل في المُتاح واعمل على تحرير مساحة من غير المتاح، فإذا ما استثمرت كل المتاح انفتح عليك غير المتاح، شاء من شاء وأبى من أبى، هكذا تاريخ الانسانية.

ختامًا عقّب الدكتور “نور الدين بكيس” عن الإشكاليات الثلاث بقوله:

أن هنالك ثلاثة أنواع من المثقفين أولهم المثقف الذي يجيد التأسيس واستشراف الأفكار في الاطار النظري والمثقف المؤسساتي الذي يعالج المشاكل وفق موقعه والمثقف الوسيط؛ الذي يراه الدكتور حاجتنا المُلحة؛ الذي يستطيع سد الفجوة الموجودة والقطيعة بين الأكاديميين وعامّة النّاس حيث يقدّم اجابات وظيفية لمشاكل الواقع بلغة بسيطة يُمكن تلقّيها.

النموذج الغربي يقدّم اجابات تتناسب مع تركيبته المجتمعيّة ومتطلباته لهذا يجب التفكير في نظام عقلاني يتناسب مع متطلبات واقعنا وتقديم اجابات وظيفيّة فعّالة.

السعي للشمولية والمثالية يعطّل الفعل ويزيد من عمق الفجوة بين المثقف وعامة النّاس.