يضمّ قسم الحوارات في “مجالس” لقاءاتٍ فكرية وثقافية تسعى إلى فتح مساحات للتأمل والنقاش حول القضايا المعرفية الراهنة، من خلال أصوات مفكرين وباحثين أفذاذ.
وانطلاقًا من روح هذا القسم، ندرج هنا مشاركات الأساتذة في الملتقى الأول لمجالس؛ إذ لا تنفصل هذه المساهمات عن جوهر الحوار، فهي في جوهرها حوارات مفتوحة مع الفكر، تلتقي فيها الرؤى وتتقاطع الأسئلة وتُثار القضايا التي تلامس انشغالات المشروع المعرفي المعاصر.
فالمداخلات التي يقدمها الأساتذة، تمثل امتدادًا لحركة الحوار التي نؤمن بها، وتكشف عن تنوع زوايا النظر وثراء المقاربات التي تغني النقاش وتوسّع أفق الفهم. لذلك، تأتي هذه المشاركات ضمن قسم الحوارات بوصفها مساحة تفاعلية للفكر الحيّ، حيث يلتقي القول بالقول، وتتجاور التجارب المعرفية لتسهم في بناء وعي نقدي متجدد.
الشيخ مختار الأخضر الطيباوي
كثير منا يرثى قلة اهتمام شبابنا اليوم بالتفكير المسهب لأننا في مجتمعات لا يوجد في وسطها العلمي سوق للمواقف البينة القائمة على مقدمات واضحة وعلى استدلال صارم، فغالب نقاشاتنا تدورعلى استراتيجيات خطابية تعاني من الضعف الاستدلالي، وغياب النقاش الواقعي بالتحقق الصادق والدقيق للمواقف المتعارضة حول مسألة ما.
وعلى غير العادة المألوفة وجدنا شباب” مجالس” بحسب” ديباجة الملتقى” وأوراق بعض المشاركات لم يختر الأهداف السهلة على حساب نقاش معقد ومع ذلك كان الطرح راقيا فقد تبين من المشاركة أن التحديات التي تضمنتها” الديباجة” لم تكن مجرد ادعاءات سفسطائية.
وإذا كان التفكير العلمي يستلزم حركة في الفكر تتقدم به، وتقود إلى تجلية الحقائق الشرعية أوالواقعية باحتجاج صارم فإن الساحة العلمية عندنا تعاني من الهذرمة وغمر الموقف المخالف بالانتشار بعيدا عن جوهر الموضوع، وبإغراق المقدمات البينة والحقائق البديهة الواضحة في سيل من الكلمات، فقلما يكون نقاش الأطروحات صادقا صارما.
بالنسبة لي لقد احترم شباب” ملتقى مجالس” إلى حد ما تعقيدات الموضوع الفكرية والواقعية، وتحدياته، لم يهتموا بالجوانب التي تساعدهم فقط، ولا تعسفوا في تعميم الأسباب والعلل، والذي يسلب الموضوع مضمونه أويصوره بطريقة موجهة.
معلوم أن احترام الوقائع كما هي، واستعمال منطق أرجح الأدلة لا يخدم المصالح الشخصية وهذا ما لم نلمسه في هذه المبادرة التي تجاوزت هذا المرض الذي ينخر نخبنا المختلفة فنسال الله ان يجازي هؤلاء الشباب على هذا العمل الرائع، وأن يعينهم على مواصلته بكل قوة.
أرجوأن يكون لهذا الشباب المثقف استعداد لمراجعة جزءا من مواقفهم إذا ما نبهوا بقوة تدليلية حقيقية، والتي أقدر أنها غابت عن أكثر النقاشات التي أعقبت مشاركات الأفاضل، فإن الحرص على النظر الجاد في أفضل الأدلة المضادة لموقفنا ليس فضيلة أخلاقية فحسب ولكنه أيضا فضيلة علمية تعني استعداد العقل الذي يصبوبفطرته إلى الحقيقة لقبولها.
وقد يظهر لنا الاتقان والصواب من خلال مستوى صياغة قناعاتنا وأحكامنا الصياغة اللغوية والتنضيد الفكري ونكون في الحقيقة معرضين للخطأ بالنظر إلى الحجج المقابلة عندما نصطدم بأدلة الغير حيث نكتشف أن وجهة نظرنا كانت محدودة وربما مغلوطة لأن طبع الإنسان هوأن يجتهد في الاحتجاج لقناعته أكثر من احتجاجه للنقد الذاتي.
إن انفتاح العقل والتواضع العلمي ضرورة في حصول التوفيق لأنه متى منعتنا قناعتنا من إعادة فحصها فإننا نتخلى بالضرورة عن توسيع حدود فكرنا.ووحده هذا العقل المؤمن يقترح قضايا أصيلة تحمل المعاني الواضحة الهادية إلى سواء سبيل.
لقد دار الكلام عن موضوع” عزوف الشباب عن الشأن الفكري وعلاقة ذلك بمستقبل النخبة ودور مراكز التفكير في استنهاض الأمة“، وهي موضوعات مهمة بالغة الدلالة على واقع الحال لكنها في نظري ليست أسبابا بل نتائج لأسباب أخرى أعمق لا يسمح البراديم الفكري المعاصر، ولا في مقدوره الوقوف عليها فشبكة قراءة الواقع التي تزوده بها العلوم الإنسانية عمياء عن هذه الأسباب، وسقفها المعرفي لم يبلغها، غاية ما قد يقف عنده إذا وجد تحليلاته عقيمة رد الأمور إلى الحتمية!
لا شك أن أمتنا لا تعاني من عجز في عدد الأطباء والمهندسين في مختلف حقول العلوم الطبيعية ولا الأدبية أوالقانونية ولا في العلوم الإنسانية، ومع ذلك تعاني على المستوى المادي ما يعني أنها تفتقد إلى عامل آخر كان دائما هوالسبب وراء قوتها وازدهارها ليس هوالنخبة الفكرية ولكنه نخبة العلم والإيمان، أهل العلم والإيمان الذين لا يفصلون بين العلم والعمل، بين العلم والايمان، فعلمهم غير مفصول على مستوى النظر العقلي عن الايمان، وغير مفصول على مستوى السلوك الفردي والمجتمعي عن العمل والأخلاق.
هذا هوالفاصل الفرقاني بيننا وبين الغرب فنحن لا يصنع عندنا المفاهيم وينشئ التصورات ويؤصل الكليات المفكرون أوالمثقفون كما في الغرب حيث منذ تشبعوا بالعقلية الهيلينية فصلوا بين مصادر التلقي الدينية عندهم ـ وهي هشة قاصرة ـ وبين صناعة المفاهيم التي علمنت فغلب عليها التحليل المادي الذي يرد كل إشكال مجتمعي أواقتصادي إلى سبب حضاري، أوفكري أوسياسي مباشر.
فهذا الطرح يعود إلى براديم مادي بدأ يتفتت فالنقل عن فلاسفة وعلماء اجتماع كتبوا عن الحضارة الغربية في زمن عزتها صار اليوم يتلاشى تحت وقع أزمة الماديات ونهاية فترة الوفرة المادية والرفاهية المادية وتغوُّل التحرر الفجوري.
عندما يكون بلد ما مثلا الدول الأوربية يعيش في الوفرة الاقتصادية يعرف الاستقرار ونسبة مقبولة من العدالة الاجتماعية يمكن أن تقول: إن الفتات يصل الشعب بغض النظر عن نوع النظام السياسي الذي يحكمه حتى ولوكان شموليا وفيه استئثار بالمال العام، خاصة إذا كان في الحكم رجال فيهم بعض النزاهة.
لكن عندما يضطرب ما يسميه الانجليز” خط الخبز” يعني في الأزمة الاقتصادية فإن الاضطراب يمس كل المجالات ويفشوالظلم وتظهر الفاشية والعنصرية والمناطقية.
وكذلك بغض النظر عن نوع نظام الحكم لأن كل هذه النظم السياسية والمجتمعات قامت على رؤية مادية للحكم والسياسة، بعيدة عن أولوية المبدأ على المصلحة المادية.
وعندما تبنى السياسة على الرؤية المادية تصطبغ به يوميات الفرد والدولة على حد سواء فإن نهاية مطاف هذه الأنظمة: خصخصة موسعة، تآكل الهويات الاجتماعية، استياء ومجافاة ايديولوجية وسياسية، لا استقرار متسارع للشخصيات، اندثار المفكرين الحقيقيين.
التحور التاريخي الناشط اليوم فينا هوتعظيم عالم الأشياء والصور والقيم الهيدونية (الشهوانية) وبسيكولوجيا مرتبطة بها ولدت تفسخا أوتناقضا سلوكيا وطفوا نظاميا لدائرة الخصوصية والفردانية.
مع أهمية العلوم الطبيعية والتفكير في شروط الحضارة في الأحوال المادية للمجتمعات والامم إلا أن العلم الذي تكمل به النفس ويصلح به المجتمع والدولة والأمة هوالعلم الإلهي والعمل بموجبه.
والأمة الإسلامية بدون تحقيق هذا العلم لا سبيل لها لأي ازدهار حقيقي لأنه العلم الذي تؤدي به وظيفتها فأي تحليل لا يأخذه في الحسبان هوتحليل علماني مادي لا يفعل سوي مضاعفة أمراض الأمة وزيادة هوانها.
لا يجب أن يكون طلبنا للمعرفة المادية أعظم من طلبنا للعلم الإلهي، ولا أن يكون حرصنا على العمل لتحقيق نهضة مادية أعظم من عملنا لله تعالى، فنحن لسنا كبقية الأمم نخضع لنفس القوانين الكونية في كل شيء بل قد خصصنا بسنن كونية نظير تخصيصنا بوظيفة رسالية خاصة فكما في قوله صلى الله عليه وسلم:” أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل”.
وهذا الحديث حسن عند السفاريني (شرح ثلاثيات المسند) وصحيح عند الألباني (صحيح أبي داود) وضعفه بعضهم واستشكله آخرون.
وفسره القاري في” المرقاة” بان الأمة هنا امة الإجابة، والرحمة زائدة على سائر الأمم ونفي العذاب عنها في الآخرة المقصود منه نفي شدته لأن غالب عذابها في الدنيا بالمحن والبلايا.
ولهذا الحديث علاقة بالحديث الآخر:” سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها” صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، حديث رقم (2890)، (4 / 2216).
والمقصود أنها خصت بسنن دون غيرها في باب العقوبة والعذاب، وهي فعلا مرحومة في الآخرة، فهي أول من يحاسب فلا تمكث في المحشر مثل غيرها، وهي أول من يجاوز الصراط وأول من يدخل الجنة، وهي أكثر الأمم صفوفا يوم القيامة، وأكثر أهل الجنة، وخصت بأنواع من الشفاعة أعظمها شفاعة نبيها، فهي بدون شك مرحومة في الآخرة بالنظر إلى غيرها من الأمم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:” يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا” قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:” أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، تُنْتَزَعُ الْمَهَابَةُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ” . قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ:” حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” وفي لفظ” كراهية القتال” أحمد وغيره بسند صحيح.
هذا الحديث وغيره يفيد أن لغوس الأمة أي: المبدأ الذي تفسر به الوجود وكل ما يتفرع عنه هو حب الآخرة والعمل لأجلها بأداء الوظيفة الرسالية المتمثلة في تبليغ الإسلام والدفاع عنه.
نفس المبدأ نجده في أحاديث البيعة، ما يفيد بانها خصت بأحكام كونية ربطت بوظيفتها الرسالية.
جاء في الحديث الصحيح:” إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» أبوداود في السنن.
ومعلوم أنه لابد لكل الناس ولكل المؤمنين في أي زمان كانوا من اتباع أذناب البقر أي: من ثروة حيوانية من بقر وإبل وغنم وماعز وخيل وغيرها، ومن ثروة فلاحية، ومن تعاملات تجارية وبيوع واقتصاد، فحياتهم لا تتقوم إلا بذلك فلزم أنه قصد بالعينة ترك الاحتكام إلى شريعة الله، وفشوالمعاملات المحرمة، وبالتالي أكل الحرام الذي هوالسبب في ظلمة الأمور على القلب والتيهان الفكري.
واختيار” بيع العينة” ـ وهوربا كناية عن البيوع المحرمة ـ إشارة إلى تجارة هذا العصر الغالب عليها المتاجرة بالكلام اوكسب النقود من غير بضاعة عينية كما في البورصات والبنوك وغيرها حيث كسب المال من قرض المال، اومن مجرد إيداع المال، ومن بيع ما لا يملك، اوتملك البضاعة بدون نقود نسيئة وبيعها بنقود حاضرة وهكذا أمور صبغت هذا العصر في التفكير والتجارة والعلاقات الإنسانية بالدجل أي الكذب المموه.
والإشارة إلى البقر والرضا بالزرع إشارة إلى الركون إليها يعني: إلى الركون إلى الدنيا ومحبتها فوق محبة الآخرة، ويمكن أن نفسره بالاصطلاح المعاصر فنقول: طغيان الرؤية المادية للدنيا وملذاتها مع ترك الوظيفة الرسالية التي يمثلها الجهاد، وهوذروة سنامها.
والجهاد كلمة تشمل استخدام كل وسيلة مشروعة بالضوابط الشرعية والأخلاق الإسلامية للقيام برسالة الإسلام. فإذا تغير اللغوس من تقديم الآخرة على الدنيا إلى الرؤية المادية التي تقدم الدنيا على الاخرة وقع التغيير السلبي وسلبت الأمة عزتها لأنها فقدت شروط انبثاقها وعزتها.
وقد حسم هذا النص بأنه لا سبيل للعودة للنهضة، للازدهار، للقوة حتى تعود الأمة إلى لغوسها الذي أعطيته بالوحي. وعليه فأي تحليل انثروبولوجي اجتماعي مجرد عن هذا المبدأ (اللغوس) لأسباب عزوف الشباب عن الفكر، أولمشاكلنا الحضارية أوالسياسية بآليات البراديم الغربي ليس إلا إضاعة للوقت وتفاقما لمشكلاتنا.
وبخصوص القراءة فإنها وحدها ليست ما يشكل وعي الفرد إن لم تكن قراءة هادية لنفس سوية تستمد التوفيق والصواب، والإلهام الصادق من الله تعالى.
فكمال الأمم ليس في المعرفة المادية، ولا في السلطان والقدرة والتصرف في الطبيعة، وإنما كمال الإنسان في عبودية ربه كما أمره، فهذا الذي زكَّي نفسه وكمَّل القوة العلمية النظرية بالإرادة الصالحة والعمل الصالح كما قال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [ص] وصفهم سبحانه بالقوة في العمل والبصيرة في العلم، ولا بصيرة إلا بموجب العلم الإلهي النافع،وأصل قوة العمل قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر،فالعلم الإلهي النافع أصل الهدى، والعمل بالحق هوالرشاد، فقوة العلم والنظر والبصيرة من قوة العبادة، وقوة العمل لأجل الله في كل الحقول من قوة العبادة وقوة البصيرة.
وعليه فنحن لا نحتاج إلى تحليلات علماء الاجتماع وغيرهم لأسباب انهيار حضارتنا ومشاكل دولنا ومجتمعاتنا إذا كان الوحي أخبرنا بها قبل أن تقع، ووصف لنا واقعنا المعاش الآن بدقة، ودلنا على المخرج الأمثل والحل الوحيد.
لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم حال المسلمين المتأخرين وذكر سبب اختلافهم عن المتقدمين كما جاء في قوله:” نجا أول هذه الأُمَّةِ بِالْيَقِينِ وَالزُّهْدِ وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ” (حسن) انظر حديث رقم: 6746 في صحيح الجامع قال في الصحيحة: وابن لهيعة ثقة، لكن قد عرض له سوء الحفظ؛ فحديثه حسن على الأقل بما قبله، وقد أشار إلى ذلك الحافظ بسكوته عنه في” الفتح” (11/237).
وفي قوله الآخر عن عبد الله بن عمروبن العاص أنه قال :” إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهُمْ يُصِيبُهُمْ بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، ثُمَّ تَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وَهُويُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْه” ابن ماجة ومسلم؟
وبهذا يتبين أن الفارق بين أول الأمة وآخرها هوقوة الديانة علما وعملا، ومن علم بهذه النصوص ونظر فيها بقلبه يستغرب ممن عرف نبيه وآمن به كيف يطلب فهما لأسباب خذلانه وضعفه وهوانه في غير أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجعلها منطلقه وأساس نظره وبعد ذلك إذا نظر في أقوال من لا مكان للأنبياء في نظرهم وتفكيرهم لم يضره ذلك.
عند نخبة العلم والإيمان ـ النخبة الحقيقية في أمتنا ـ فإن قطب رحى الدين يدور على التوحيد وقطب رحى المجتمع يدور على طاعة الله ورسوله، وكل تنظير أوتأصيل لا ينطلق من الرؤية الوجودية التي زودتنا بها الشريعة فإنه تأصيل غربي مادي يدور على نفسه، ولا يقود إلى تغيير حقيقي.
وعلى هذا فإن غياب التأصيل الشرعي للماجريات الكونية والوقائع الاجتماعية هونقص وتقصير منا مرده عدم إعطاء الأدلة الشرعية حقها من الإحاطة والفهم فلم تعد لذلك بالضرورة تغطي هذه المجالات فإن فهم الواقع فهما وصفيا ـ وهوما يمتاز به التفكير بالنمط الغربي إذ توفر العلوم الإنسانية شبكة لقراءة الواقع قراءة علمية ـ غير كفيل بتغييره إن لم يقترن بفهم شرعي مطابق.
وفي تقديري فإن المشاركات التي اطلعت عليها كانت ممتازة في وصف الواقع الفكري في أمتنا وتتبع أسبابه المباشرة، والتي ليست في حقيقتها إلى مظهرا جزئيا لمظهر كلي أوأكبر.
ألم يتحدث القرآن والسنة عن أسباب عزة الأمم وذلتها، عن أسباب الرفاهية والمعاناة، عن رسالة أمة الإسلام، عن شروط انبثاقها الأول؟
والمقصود أن التحليل يمكن أن يذهب في اتجاه تعليل غياب الحضارة الإسلامية بغياب التفكير العلمي، والذي بدوره يكون بسبب غياب النخبة المفكرة الملتزمة، وغياب هذه الأخيرة سببه غياب الدولة الراشدة، وهكذا.
والملاحظ ان كل هذه الأسباب أسباب فرعية وعلل ثانوية لسبب أعظم هومن خصائص هذه الأمة بحكم الرسالة التي كلفت بها حيث قرنت النصوص بين عزة الأمة وقيامها بواجب الرسالة وجعلت ذلك شرطا وجوديا ضروريا لعزة الأمة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:” وجعل الذل والصغار على من خالف أمري” علقه البخاري، ويشهد له قوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُريِدُ الْعِزَّةَ فَللَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} [فاطر].
قال ابن القيم: أي من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله: بالكلم الطيب، والعمل الصالح.
وقال بعض السلف:” الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله”.
وقال الحسن:” وإن هَمْلَجَتْ بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال إن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله عز وجل إلا أن يُذِلَّ من عصاه”. إغاثة اللهفان.48.
وذلك أن من أطاع الله تعالى فقد والاه، ولا يذل من والاه الله، كما في دعاء القنوت:”إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ”.
قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} [المجادلة]
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف]
وأيضا: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة].
هناك مشاكل لا يمكن حلها بالمبادئ الديمقراطية فالديمقراطية لها ثمن إدراكي معرفي باهض يجعلها فكرة مستحيلة الانجاز، وأهم من ذلك ثمنها الأخلاقي (نزاهة المسؤول واستقامة المواطن والوعي بمسؤوليته)، والمصيبة أنه لا يوجد بديل عن الظلمة السياسية، ولا يمكن للأعمى أن يرمي عصاه التي يتلمس بها الطريق! انظر” الجمهور الشبح” والتر ليبمان.
عندما يحاول الإنسان إصلاح أوضاعه دون أن يصلح نفسه أولا يراوح في مكانه بل كلما تحرك خطوة للأمام رجعة عشرة للخلف وقامر بالنزر اليسير الذي عنده {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}.
وأعظم مصيبة أن يظن الناس أن التديُّن الروتيني، والتعبُّد بالعادة ـ فضلا عن البدعي ـ سيُغيِّر أحوالهم، أويعصمهم من سنن التاريخ وعقوباته!
على قول ليبمان: عندما يعيش الناس في وهم سياسي [سببه غياب رؤية عقدية سوسيوانثروبولجية] فإنهم يجربون كل شيء، كل أشكال الأنظمة لكن بدون نتيجة ثم يهربون إلى الرجعية أوالثورية إلا مراجعة مقدمات فكرهم السياسي فإنهم لا يقومون به.
هذا الخطاب الذي يرد تدهور أوانحطاط الأمة ماديا إلى أسباب حضارية، ومعرفية مادية وسياسية متكرر كثيرا لدى النخب العلمانية والإسلامية كلا بلغتها ومصطلحاتها يقوم على نقطتين:
الأولى: مشكلة الأمة في غياب حضارتها وريادتها، وبالضرورة مفهوم الحضارة هنا يأخذ بعد القوة المادية، وغياب المعرفة التي ينتجها الفكر المؤسساتي الذي يصنع الحضارة.
الثانية: مرد عدم تحضر الأمة، اوعدم نخبة رائدة هوغياب الدولة المناسبة.
والحديث عن الأمة هنا باعتبارها كيانا انتمى إليه، لا يوجد إشارة إلى مقومات الأمة التي منها نشأت وبها تحضَّرت، ومدى بعدها عن هذه المقومات والذي هومربط الفرس.
وهذه الرؤية غربية محضة، والتفكير غربي، وبراديمه غربي، فقط المتحدث مسلم الانتماء.
لهذا يكون من الضروري الحيوي بالنسبة لنا الحرص على مراجعة منهجنا المعرفي وبراديمنا فإنه بدون ذلك ستذهب جهودنا هباء فإن قوة الإبصار من أصالة البراديم وقوة ارتباطه بما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم، فبدون البراديم الإسلامي الأصيل أوبتعبير سلفنا طريقة الأنبياء ومنهجهم حتى النصوص سنقرأها قراءة خاطئة أولن تعصمنا من البدعة والانحراف والضلال عن سواء السبيل لأن البراديم المحرف سيسلط عليها التأويل والتعسف.
فيما يخص لغة” الديباجة” وبعض المشاركات فهي راجعة لطبيعة الشباب الذي في هذه الفترة العمرية ينبهر باللغة الفكرية الفلسفية ورونقها وتعقيداتها اللفظية، وتغلبه ثقافته المعاصرة مع عدم عناية كافية باللغة العلمية الإسلامية التي امتاز بها علماء الإسلام، والتي استمدوها من بلاغة القرآن وفصاحة الأحاديث النبوية والتي تستعمل الاصطلاح الفقهي والأصولي الإسلامي، وهي ثمرة المطالعة والبحث في العلوم الإسلامية، فهذا امر يتحسن مع الأيام.
لكن لا يجب أن نغفل عن حرب الكلمات فالمصطلحات ألوية الكتائب، واللغة الفلسفية والفكرية المعاصرة تطمس الهوية اللغوية، وهي ليست لغة معدة لتسهيل التواصل وتعميم المعرفة.
ولا أجد مانعا من المزج بين اللغتين إذا كانت الأصول والكليات إسلامية.
